عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادى جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه . فيحبه أهل السماء ويوضع له القَبول في الأرض» أخرجه أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه ومسلم والترمذي. إن الله تعالى سيجعل للمؤمنين مودة ومحبة دائمة تقوم على الإيمان وقد تنشأ المودة بسبب القرابة أو المصالح المتبادلة أو الصداقة، فهذه أسباب المودة في الدنيا بين الخلق جميعاً مؤمنهم وكافرهم.
إنما «سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا» أي بدون سبب من أسباب المودة الدنياوية فهذه المودة بين الذين آمنوا، كأن ترى شخصاً لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه، وتقول له إني أحبك لله سبحانه وتعالى. فدائماً الارتباط بين الإيمان أي التصديق بالله تعالى والإخلاص له تعالى وبالحضور القلبي وخشوعه فذلك يؤكده العمل الصالح كما جاء في الحديث القدسي: «إذا أقبل عليّ عبد بقلبه، أقبلت عليه بقلوب المؤمنين جميعاً»
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين - ثم تلا - » «إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا » مريم96 أي الذين صدقوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا أي حباً في قلوب عباده؛ ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
وقيل: يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة. أي إذا كان محبوباً في الدنيا فهو كذلك في الآخرة، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمناً تقيا، ولا يرضى إلا خالصاً نقياً، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه، وقال سيجعل أي للسرعة للرحمة والمودة ولم يقل هنا سوف التي تدل على طول الوقت .
فإن القلب مستودع العقائد وينبوع الصالحات كلها، أي أن الله تعالى وهب لك ما يملك من قلوب الناس جميعاً فهي في يده تعالى يوجهها كيف يشاء ؛ وإنه تعالى يكون ودوداً أي محباً للعبد ما دام العبد في معيته بطاعاته وفى حالة دائمة بالتواصل معه تعالى في كل الظروف أي في السراء يكون شاكرا على كل النعم التي من تعالى عليه وعند الضراء يكون صابراً بدون سخط ولا جزع فهذا هو تواصل العبد بينه وبين ربه.
فارتباط الرحمة بالود في القرآن الكريم دليل على حب الله سبحانه وتعالى لعباده أي يدخلون في باب رحمته فيكون ودود معهم كقوله تعالى:- « وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ» هود 90 أي رحيم بالمؤمنين ومحب لهم بالودود فتكون رحمة خاصة لأمة المؤمنين في الآخرة وقوله تعالى:-«سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا» أي رحمن في الدنيا لكل الناس أي رحمة شامة عامة. ولكن كيف يتحقق الود أو الحب بيننا وبين رب العالمين؟
دليل صدق الحب هو قيام العبد بالتكليف وما دُمت أنت عبّرت عن صدق عواطفك بحبك لله تعالى فلابد أن يُحبك الله. فإن التكليف قد يبدو شاقاً عليك فتهمله فلا يكفى أن تحب الله تعالى لنعمة إيجاده وإمداده لك فالتكليف أيضاً نعمة لأنها تعود عليك بكل الخير والنفع. فمعيار الحب التواضع والمذلة والحضور القلبي والاستغناء عن كل ما يُلهى لأن من استغنى أغناه الله تعالى وفى قوله تعالى « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» المائدة54.
إعداد : جيهان محمود