في داخل الإطار العام للمشكلات التي تواجهها حركة الإبداع المعماري على امتداد العالم، وفي صدارة ملامحها أن المعماريين لا يتعاملون إلا مع حوالي الواحد في المئة فقط من إجمالي البيئة المبنية لمجتمعاتهم، فإن المعماريين المسلمين يواجهون مشكلات بالغة التعقيد، على امتداد العالم الثالث، الذي تندرج فيه معظم الدول الإسلامية.

في مواجهة هذه المشكلات، فإن العمارة التي يقدمها هؤلاء المعماريون تراوح بين استنساخ النماذج المعمارية الإسلامية القديمة وبين تقديم تفسيرات لنماذج معمارية حديثة بارزة، بمفردات أخرى تجعلها تندرج بمرونة في السياق المعماري المسجدي، وأبرز هذه النماذج هي كنيسة رونشامب، كنيسة معهد ماساشوستس للتقنية وكنيسة ميكولوتشي المطلة على أوتوستراد ديل سول. المعماريون المسلمون يواجهون في حقيقة الأمر خياراً بالغ القسوة، فهم لابد لهم من أن يقوموا بدراسة دقيقة للمؤثرات المعمارية، على اختلاف أنواعها، ومن دون اهمال الثقافة والتقاليد التي ينتمون إليها. والمصادر المختلفة لابد من استيعابها بمرونة وذكاء ووعي واحترام لقيم المجتمعات، التي يشيدون عمارتهم بين ظهرانيها.

بهذا المعنى فإن المشكلة الجوهرية التي يصطدمون بها ليست المواجهة بين العمارة الغربية والعمارة الإسلامية، فالقول بهذا في حقيقة الأمر يعني تبسيطاً لواقع معقد، وإنما المشكلة هي في كيفية التوصل إلى التعبيرات المناسبة على الصعيد المعماري عن الروح الإسلامية الحقيقية واختيار العناصر التي تتماشى على أفضل وجه مع المبادئ المعمارية. المشكلة في ضوء هذا الطرح تضع المعماري أمام ثلاث ضرورات حتمية قبل البدء في أي مشروع في العمارة المسجدية، فلابد أولاً من منهاج ذكي للتعامل مع هذا الموقف ثم لابد من تأمل عميق في الاختيار ثم من الحتمي الوصول إلى إحياء تقاليد الماضي المعمارية وتبني المبادئ التي برهنت على حيويتها وصمودها واستمراريتها.

هذه المعاني لا يمكن إلا أن تكون زاداً لنا ونحن نتأمل مجمل الحلول المعمارية التي يقترحها تصميم مسجد الديوان في رأس الخيمة. من الواضح، بداية، أن هذا المسجد يحيل إلى الصياغة الهندية ـ الفارسية للصورة الإسلامية الجديدة في السياق المعماري المسجدي. بيت الصلاة يبدو لنا كتلة نحتية قوية، تعلوها قبة مألوفة للعين في هذه المنطقة من العالم، تمتد ضلوعها الزخرفية من فوق منطقة الرقبة على نحو لافت للنظر، وتؤطر هذا كله مئذنتان تركزان على التوظيف الجميل لتداخل الكتلة والفراغ. لاحظ هنا أنه خلافاً لما درج عليه معظم المعماريين من جعل خارج المسجد متمتعاً بالقوة والصلابة وحدهما والانكفاء على الداخل، فإن عناصر النقش والزخرفة في هذا المسجد تمتد إلى خارجه على نحو تتوقف العين عنده طويلا، وينصرف الذهن معه إلى تأمل إعادة التفسير الجميلة هذه للنبع الذي استمد التصميم الهامه منه. العين أيضاً لابد لها من التوقف عند توظيف العقود والأعمدة في مداخل هذا المسجد ومخارجه.

الأصل المعماري الذي يعاد تفسيره في هذا المسجد يفرض حضوره أيضاً في داخل بيت الصلاة، وبصفة خاصة في تفاصيل المشروع الزخرفي المتقن والبهي الذي يفرض حضوره بقوة من دون إفراط في العناصر والتفاصيل. يجمع المحراب بين البساطة والبهاء، ويلفت نظرنا وصوله البارع إلى القياس الإنساني، والتضليع الجميل الذي يميز ما يعرفه الحرفيون بطاقية المحراب، التي تزنرها حشوة خطية متقنة. تأمل التوظيف المختلف واللافت للنظر لعنصر الخط في باطن القبة، والذي يوحي بثراء النبع الذي استمد منه هذا الاقتراح الزخرفي. الخشب والزجاج عنصران بارزان في المشروع الزخرفي لهذا المسجد، يتم هنا التحليق بهما إلى ذروة عالية من الإبداع حقاً.

كامل يوسف