كشف الطبيب على المرأة وفحصها من القضايا التي حظيت بجدل بين علماء الدين والأطباء في الفترة الأخيرة، خاصة في أعقاب رفض نقابة الأطباء المصرية إدراج نص في لائحة آداب مهنة الطب التي أصدرتها النقابة مؤخراً يدعو إلى ضرورة وجود محرم مع النساء أثناء الكشف الطبي عليهن أو ممرضة وتحلّي الطبيب بالخلق الكريم. ومن جانبهم، أكد العلماء أن الأصل أن الرجل لا يقوم بتوقيع الكشف على المرأة إلا عند الضرورة انطلاقاً من القاعدة الشرعية «الضرورات تبيح المحظورات» أما في الحالات العادية فإن الرجل لا يجوز له فحص المريضة وإنما تقوم بذلك امرأة مثلها.
وكانت نقابة الأطباء قد قررت فجأة إلغاء المادة 31 من لائحة النقابة التي كان مقرراً أن يتم تقديمها للدكتور محمد عوض تاج الدين وزير الصحة المصري لإقرارها في القانون، وهذه المادة تنص على عدم جواز الكشف على المريضة الأنثى إلا بوجود محرم أو ممرضة. وقد أثار هذا القرار ردود أفعال غاضبة بين علماء الأزهر وأكدوا أن المادة الملغاة تتفق والتقاليد الطبية المتعارف عليها عالمياً، فضلاً عن اتفاقها وشريعة الإسلام التي تحكم تصرفاتنا وسلوكياتنا.
وطالب علماء الأزهر بضرورة وجود محرم أثناء كشف الأطباء على النساء، مؤكدين ضرورة أن يكون هناك أطباء للرجال وطبيبات للنساء في مختلف التخصصات منعاً للفتنة ومنعاً لحدوث أي انحرافات، وهذا هو الأصل، أما غيره فهو الاستثناء الذي يجب عدم اللجوء إليه إلا للضرورة.
من جانبه، يؤكد الدكتور محمود عمرو رئيس قسم الأمراض المهنية والوقائية في كلية الطب جامعة القاهرة رفضه مناقشة هذه القضية أو طرحها على الرأي العام لأنها تؤدي إلى التشكيك في الطبيب والتقليل من مصداقيته رغم حرصهم على الالتزام بالأخلاقيات والآداب العامة. مشيراً إلى أن مهنة الطب رسالة لا تحتاج إلى وضع قواعد أخلاقية أو تدريس لمادة الأخلاق للطلبة في كليات الطب فالأطباء هم ملائكة الرحمة الذين ينقذون المرضى ويعالجونهم وهم يحرصون على التمسك بالأخلاق والقيم ولا ينتظرون ما يدفعه لهم المريض لأنهم لو لم يكونوا كذلك لتحوّلوا من ملائكة إلى شياطين.
ويعرب عن أسفه لأن القَسَم الذي يقسمه الطبيب في بداية ممارسته للمهنة لم يعد له جلاله وهيبته وأصبح الطبيب حديث التخرج في حاجة إلى توعية وتثقيف حتى يستطيع التعامل مع المجتمع بحيث يضع خدمة الناس في عقله ويجعلها هدفه الأول وحتى يدرك أن الرزق بيد الله وأن عليه أن يرفق بالمرضى وألا يلجأ إلى ابتزازهم وأن يتصدق عن العلم الذي سخّره الله له فيعالج بعض المرضى غير القادرين مجاناً.
ويشير إلى أن الطبيب مؤتمن على المريض وعلى أسراره، وبالتالي فلا يرد في ذهن الطبيب أن زميلاً له من الممكن أن ينتهك حرمة مريضة أو يعتدي عليها، مؤكداً أنه لا مانع من اتخاذ الاحتياطيات اللازمة حتى يكون هناك نوع من الاطمئنان كأن تكون هناك ممرضة مع الطبيب أو أن يكون هناك محرم مع المريضة ولا ينبغي أن تتخذ نقابة الأطباء موقفاً مضاداً لذلك.
ويشير الدكتور عمر الظواهري أستاذ جراحة العيون في كلية الطب جامعة القاهرة إلى أن 99% من الأطباء ملتزمون بالأخلاق ولديهم النزعة الإنسانية في خدمة المرضى والحفاظ عليهم، لكن وسائل الإعلام تبالغ في أخطاء الأطباء وفيما يتقاضون من أموال وكذلك تبالغ في الأخطاء التي يقع فيها عدد محدود منهم.
ويؤكد أن الأخلاق تدرس في كليات الطب بصفة غير رسمية وهذا يكون أكثر تأثيراً في النفس ويذكر أن أول محاضرة تلقاها عندما التحق بكلية الطب كانت عن الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها الطبيب أثناء ممارسته للمهنة وهذه المحاضرات والنصائح تؤثر في الأطباء طوال حياتهم وهي أفضل من الوعظ المباشر أو تخصيص مادة للأخلاق لأن الطلبة سيعتبرونها مجرد مادة يريدون الحصول فيها على أعلى الدرجات دون أن يكون لها تأثير على سلوكياتهم وممارساتهم في الواقع العملي.
ويحذر من ظاهرة التعميم التي تنتشر في مجتمعاتنا فمن غير المعقول إذا وقع طبيب في خطأ أو عمل غير أخلاقي أن نتهم كل الأطباء فكل المهن يوجد فيها قلة قد تنحرف وتخالف القوانين والقيم لكن هذا لا يعني أن كل أصحاب هذه المهن بعيدون عن الأخلاق بالإضافة إلى ان هناك عقوبات قانونية توقع على المنحرفين وبالتالي فلا داعي للتشويه وتقديم مجتمع الأطباء في صورة لا يستحقها.
من جانبه أكد الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن بكلية طب الأسنان جامعة الأزهر انه لا يجوز للطبيب الرجل أن يقوم بتوقيع الكشف على النساء سواء في وجود محرم أو في عدم وجوده إلا للضرورة كأن لا توجد طبيبة في المنطقة التي تعيش فيها المريضة أو كان الوقت متأخراً ولا يوجد غير الطبيب ولا تتحمل المريضة الانتظار للصباح ونحو ذلك.
وانتقد موقف نقابة الأطباء واصفاً إياه بأنه يفتقد المنطق لأنه من الطبيعي أن يكون مع المرأة أثناء قيام الطبيب بتوقيع الكشف عليها زوجها أو أحد أقاربها أو قريباتها وهذا هو ما يحدث في معظم الحالات ولذلك كان الأجدر بنقابة الأطباء أن تؤكد على هذا الأمر بدلا من أن تتنكر له.وقال الدكتور عبدالرؤوف إن وجود محرم مع المريضة فيه حماية للطبيب قبل غيره وفيه أيضاً حفاظ على سمعته من أية محاولات للتشويه مطالباً بضرورة وضع ميثاق شرف إسلامي لمهنة الطب وأضاف قائلاً يمكن للأطباء على المستوى العالمي أن يجتمعوا لوضع ميثاق شرف لمهنة الطب يلتزم فه الأطباء ويكون منهجاً لهم في جميع المسائل الطبية بحيث تحفظ للإنسان حرمته وأن يستمد هذا الميثاق من تعاليم الدين الإسلامي الذي يعمل على درء المفاسد وجلب المصالح.
وأكد الدكتور عبدالرؤوف أن موافقة الأطباء على هذا الميثاق تجعل المريض سواء كان ذكراً أو أنثى آمناً مطمئناً على نفسه وكذلك تجعل أهل المريض واثقين أن مريضهم لن يتعرض للأذى ما دام الأطباء يحترمون هذه المواثيق ولابد أن يكون هناك عقوبة لمن يخالف هذا الميثاق ولابد من حرمانه من مزاولة مهنة الطب لأنه غير أمين وغير الأمين على مهنته لا يصلح أن يكون طبيباً لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: