في كتابه المهم «الإسلام والدولة المدنية» يعيد د. عبد المعطي بيومي طرح إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، محاولاً استخلاص الإجراءات العملية لنظام الحكم في الإسلام والتي يمكن استخراجها من النصوص: «الكتاب والسنة»، ومن التجربة العملية للدولة الإسلامية الأولى في عهد الرسول والخلفاء الراشدين، مجنباً نفسه ـ منذ البداية ـ المعارضة المتوقعة والمستندة إلى أن سير بعض الحكام المتأخرين كانت بعيدة عن العدل،

بل وعن الاستقامة، فهم قد «استبدوا بالحكم، وعطلوا الشورى، ونكلوا بالمعارضة، وحكموا الناس بغير الحق، ومالوا بالإسلام وفق أهوائهم ومصالحهم التي أعلوها على المصالح العليا للأمة الإسلامية، بل أعلوها على نصوص الإسلام نفسه ومواثيقه الأصيلة» كل ذلك اعتماداً على تأويلات لبعض العلماء، حولت الشورى من تطبيقها الحاسم في عهد الرسول وعهود خلفائه الراشدين إلى مجرد ثرثرة في مجلس السلطان» ص147.

المشكلة الأولى التي يصطدم بها القارئ أن المؤلف لم يبحث في النصوص عن نظرية للحكم، لكنه دخل إليها بنظرية مسبقة ـ الليبرالية ـ محاولاً إثبات أن الإسلام سبق الغرب إلى تطبيق قواعدها. وخطورة هذا المنهج في أن كل فئة ستجد في القرآن غايتها، فالقرآن ـ كما نقل هو نفسه عن علي بن أبي طالب ـ حمَّال أوجه، لذلك نجده يتلمس آية من هنا وحديثا من هناك ليصل إلى نتيجة مؤداها أن الدين ليس دستوراً، بل هو المصدر الذي اشتُقت منه الدساتير،

اهتم بالكليات وترك الجزئيات لتصريف البشر في كل زمان ومكان حسب ظروفهم: «فالأمور الدينية من العقائد والعبادات والمواريث والعقوبات الجنائية الكبرى التي تهدد كيان المجتمع، وأحوال الأسرة من النكاح والطلاق والحضانة والنسب، وبالجملة ما ورد فيه من نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة من الله عز وجل وصح عن الرسول( صلى الله عليه وسلم )، فهي من أمور الدين التي تؤخذ من النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي لا تأويل له ولا معنى إلا منطوقه الصريح، فهذه الأمور تؤخذ من النص الديني.

أما ما يتعلق بأمور الدنيا، من السياسة والاقتصاد وإدارة المجتمع والحرب والحرف، وغيرها مما لم يأتِ فيه نص قاطع، فالشأن في إدارتها للعقل الإنساني وهو بعد أن استعرض نظام الحكم في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم عاد إلى تأكيد أنه ليس مُنزلاً بل اقتضته الظروف، إلى جانب أن كثيراً من قوامه مأخوذ من التجارب القديمة عند الروم والفرس «وهذا يعني أن تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم تجربة مفتوحة، وأن انفتاحها نفسه هو سر تشريعه،

فالرسول شرع الأساس، وعلى المسلمين بحكم انفتاح شرعيتهم ومرونتها، وبحكم انفتاحهم هم أنفسهم على الدنيا وهم أعلم بها في وقتهم، مطالبون بتطوير النموذج النبوي على أساس قوله أنتم أعلم بشؤون دنياكم وقوله ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن » ص70. الأمر الآخر الذي يلفت النظر هو محاولة إرضاء أصحاب العلاقة بالموضوع: جماعات الإسلام السياسي الإخوان المسلمين والجماعات الأصولية والشيعة من جهة، والنظم الحاكمة ولاة الأمر من جهة أخرى.

فعندما تعرض ـ مثلاً ـ لشرعية الحاكم في الإسلام قال صراحة إنه «لا تقوم شرعية السلطة لخليفة من الخلفاء، إلا بعد البيعة» لكنه أكمل «مهما اختلفت صور البيعة باختلاف العصور» ص18، فاتحاً الباب أمام شرعية انتخاب الرئيس عن طريق مجلس الشعب لا عن طريق الاقتراع المباشر، بل إعطاء الشرعية للأسر الحاكمة التي تتوارث الحكم مادامت تطبق الشريعة «فليس في الإسلام نظام ثابت جامد محدد للنظام السياسي في الإسلام: خلافة، أو جمهورية، أو ملكية، أو إمارة، أو دولة،

وإنما النظام الإسلامي يتحقق بتحقيق الحرية والشورى والعدالة والمساواة» ص53، ومهاجماً ـ في الوقت نفسه ـ النظام المطبق في إيران، فالصورة هناك تبدو معقدة «بين سطوة المرشد وسلطة الفقيه، لأن المرشد هو رأس النظام حقيقة، بينما الأمة بايعت الفقيه رئيس الجمهورية، كما هي معقدة بين سلطة مصلحة النظام وصيانة الدستور» ومنتقداً ـ كذلك ـ الإخوان المسلمين لأن «الجماعة منذ أن أُنشئت تبايع مرشداً وهي ترغب في الوقت نفسه أن تكون حزباً سياسياً، وبطبيعة الحال تطمح في الحكم كأي حزب سياسي، فهل نتوقع الأزمات نفسها كالنظام الإيراني؟

هل تنتبه الجماعة إلى ما في ذلك من تناقض داخلي في البيعة للمرشد؟ هل البيعة لرأس الجماعة على أن يكون مرشداً فقط، أو زعيماً سياسياً؟ أو ولي الأمر؟» ص35. الملحوظة السابقة لم تكن الوحيدة على أداء الإخوان المسلمين والشيعة. فقد انتقد الشعار الذي يرفعه الأخوان المسلمين «القرآن دستورنا»، لأنه ـ من وجهة نظره ـ يفتقد إلى الرؤية الصحيحة، ففيه تعطيل للعقل الإسلامي عن أن يستنبط من القرآن دستوراً بشرياً، يلائم الأوضاع السياسية والاجتماعية، ويكون على هدى القرآن في الوقت نفسه.

وفي الباب الأخير، وفي معرض حديثه عن مقومات التحول الديمقراطي، خالف ادعاء الشيعة وجود نص على إمامة علي كرم الله وجهه بعد الرسول لأن سنة الرسول نفسها تأباه، وقال إن الحديث الذي يقول «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» لا يقصد منه الموالاة نصاً، بل المعنى الذي جاء في القرآن «المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض»، ويتعجب من أن «الجمهورية الإسلامية في إيران الآن تعتمد أسلوب الانتخاب،

مع أن كل آيات الله المبجلين في إيران وفي خارج إيران يعرفون أناساً بالأسماء وأنسابهم التي ترجع إلى علي رضي الله عنه وفاطمة الزهراء رضي الله عنها، فلماذا لم يُعملوا النص في ذرية علي بتعيين أحدهم إماماً للجمهورية الإسلامية؟» ص232، ناسياً ـ وجل من لا يسهو ـ أنهم يعتقدون باختفاء الإمام الثاني عشر الأحق بالولاية، وأنهم أعطوا للفقيه ـ كاجتهاد آية الله الخميني وموافقة بعض كبار المراجع ـ سلطات الإمام الذي ينتظرون عودته ليمارس سلطاته.

الشريعة والفقه

والحديث عن نظرية ولاية الفقيه يجرنا إلى مسألة الأخذ عن الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة، ويرى د. بيومي «أن الفقه ليس الشريعة، ولكنه وجه من أوجهها يجوز الأخذ به أو بغيره، وقد ذهب إلى أن «المرجعيات التي تتخذ من المذاهب الفقهية مصدريتها في التشريع تبدل الحاكمية، فبدلاً من أن تكون الحاكمية لله ـ لكتابه وسنته في كل عصر ـ تجعل الحاكمية للفقهاء» ص221 ودلل على ذلك بأن الفقهاء أنفسهم كانوا ينهون عن التقليد، فكان أبو حنيفة يقول لتلميذه أبي يوسف: لا تكتب عني شيئاً، فرُب رأي أراه اليوم أغيره غداً.

الفقه ـ إذن ـ متغير، والشريعة ثابتة، وهدفها الأسمى تطبيق العدل وتحقيق المصلحة «أما النصوص الظنية فلا يكفر أحدٌ بأعمال معنى من معانيها دون معنى آخر لها، فإذا اجتهد المجتهدون في عصر ما في نص ظني الدلالة أو ظني الثبوت فتركوا رأياً للفقهاء في معنى لهذا النص دون معنى آخر، فإن اجتهاد الفقهاء بالمعنى الجديد اجتهاد مقبول إذا توفرت فيه شروط الاجتهاد المقبول، لا ينقضه اجتهاد سابق، فإن الاجتهاد لا يُنقض بمثله» وبذلك «لا يكون الحكم بغير ما أنزل الله إلا الحكم بغير العدل، أو باستحلال الحرام المنصوص على حرمته بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو مخالفة مثل هذا النص مخالفة متعمدة دون عذر مقبول أو تأويل معقول، مصحوبة بجحد حكم الله في قلبه وإنكاره له مع ترك العمل به» ص207، 208.

ومن ذلك فلا عيب في حكم المسلمين بقوانين منقولة من دول غير مسلمة، كشيوع الأخذ من القانون الفرنسي مثلا مادام قد «قورن بالشريعة وضوهي في مواده بقواعدها ونصوصها القطعية حتى وافقها، أو هُذِّب وعُدِّل حتى وافقها فإن ذلك يكون أيضاً ـ بلا جدال ـ حكماً بما أنزل الله» ص212 ويرتبط بهذا الرأي قضية من أخطر القضايا التي ينقسم المسلمون حولها الآن وهي قضية تحليل أو تحريم فوائد البنوك لأنها تتماس مع الربا المنهي عنه صراحة في زاوية ثبوت سعر الفائدة.

وبالرغم من أن المؤلف لم يقل صراحة إنها حلال، فقد أورد قصة يُفهم منها هذا الميل، ربما عملاً بمبدأ التقية الذي يتصور أنه سيقيه من هجوم مناصري الرأي الآخر، رغم أن غيره ـ شيخ الأزهر مثلاً ـ يفضل أن يقولها صراحة! والحكاية تقول إن القاضي أبو يوسف كتب كتاب «الخراج» بأمر من الخليفة هارون الرشيد، ينظم فيه ميزانية الدولة العباسية مستفيداً من نظم الدولة المعاصرة بما يحقق المصلحة ويوائم الشريعة في زمنه «وإن اختلفت تفاصيل ترتيبات هذا الكتاب أو ترتيبات بيت المال وموازنة الدولة عما كان في عهود سابقة من الخلفاء، وما يختلف قطعاً عن ترتيبات وزارات المالية وخطط الموازنة العامة للدولة في عصرنا هذا، مما يجعل باب التشريع مفتوحاً أمام الدولة الإسلامية بحرية.. فكل قانون يحقق المصلحة ويقيم العدل هو قانون إسلامي» ص216.

فسطاط الإسلام

الأمر الآخر الذي يمكن التوقف عنده هو موقفه من المعارضة في الإسلام، وما يستتبع ذلك من الحديث عن شرعية تكوين أحزاب معارضة وموقف الإسلام من غير المسلمين، سواء الذين رفضوا الدخول فيه من المشركين وأهل الكتاب أو المرتدين: الذين دخلوا فيه ثم ارتدوا أو الذين ولدوا مسلمين. تأرجح موقف د. بيومي بين شرعية قيام أحزاب معارضة «فنشوء الأحزاب على أساس الجامعة الفكرية أو السياسية التي تربط بينهم وتوحد مشاعرهم ومطالبهم أمر لا ينكره الإسلام» ص171 وبين كراهة قيامها «على أن القرآن ذم التحزب الذي يفرق الأمة ويمزق العقائد الأساسية في المجتمع،

ولعلنا نلاحظ أن حديث القرآن عن هذه الأحزاب مقرون بعلة ذمه والنهي عنه، وهي أنها أحزاب متقاطعة وليست متكاملة؛ فهي تتسبب في تقطيع أسس الأمة ولا تتسبب أو تؤدي إلى تعددية متنوعة متعاونة، ولكنها تقطيع لا تجميع، فإذا انتهت الأحزاب إلى هذا فوحدة الأمة تقضي بمنع هذه الحزبية حتى توجد حزبية أخرى على أسس متكاملة متعاونة» ص172 لذلك استعرض مواقف تدل على جرأة المسلمين الأوائل في معارضة الرسول والخلفاء الراشدين فيما يخص أمور الدنيا، وحبذ هذا النوع من المعارضة التي لا تتخذ شكل أحزاب عقائدية لأنها تؤدي «إلى مواقف مسبقة تتنافى مع الإنصاف والإخلاص للحقيقة،

وتخالف الصدق مع النفس ومع الناس في اختيار الموقف الذي يحقق مصالح الأمة، ويؤدي إلى غلبة سوء الظن والصراع بين التيارات السياسية في المجتمع الواحد». كما أنها «تؤدي إلى أمرين كل منهما بالغ الخطورة، إشاعة روح الكراهية في المجتمع، وإشاعة روح التعصب الحزبي، بكل ما يترتب على التعصب من مضار، أهمها تزييف وعي الجماهير» من ص170: 168. وبالنسبة لموقف الإسلام من غير المسلمين الذين بادروا بالاعتداء، فقد بيّن أن محاربتهم للدخول في الإسلام كان المقصود به انضمامهم «إلى الكيان والنظام الإسلامي» لا إلى العقيدة الإسلامية التي هي صلة مباشرة بين العبد وربه من الصعب أن يُجبر عليها

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية