يقول الله تعالى: (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) «التحريم: 11». هذا المثل الذي ضربه القرآن للمؤمنين بامرأة فرعون، يمثل صورة من صور الاستعلاء والشموخ أمام مغريات الدنيا، والمثل ضرب بامرأة، ومعروف في المرأة أنها تتأثر بزخرف الحياة وتتعلق به، فما بالك بمن أحاط بها البهرج من كل ناحية! فالقصر المنيف تعيش فيه، والخدم والحشم، واللذة والمتاع، ولن تجد امرأة أمتع من هذا المكان الذي تجد فيه ما تتمني وما تشتهي.

أمام كل هذه نجد امرأة فرعون تتمرد على كل هذا المتاع، وتعتبره شرًا ودنسًا رغم المؤثرات الموجودة، من مجتمع لا يؤمن بالله، ومن مملكة تذعن لفرعون، وحاشية تمجده، ولكنها لا تخاف ولا تخشي ولا تمالئ ولا تنافق، وإنما تعلن كلمة الإيمان عالية مدوية، وتتبرأ من فرعون وطغمته الفاسدة، والمجتمع آنذاك ملتف حوله، ويسير خلفه، ويسمع نداءه في وسط هذا الخضم من الكفر الباغي، وأمام هذه القوى العاتية، تعلن امرأة فرعون إيمانها متبرئة منه ومن قومه، ضارعة إلى ربها تطلب جواره الآمن.. ي

قول الصابوني في متناول تفسيره للآية قال بعض العلماء تعليقًا على قول الله تعالى:(إذ قالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة) ما أحسن هذا الكلام، فقد اختارت الجار قبل الدار حيث قالت: (ابن لي عندك بيتًا في الجنة)، فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور. ويشير الصابوني إلى قول الفقهاء: وها هي ذي امرأة فرعون، لم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه في قصر فرعون من طلب النجاة وحدها،

وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتًا في الجنة، وتبرأت من صلتها بفرعون، فسألت ربها النجاة منه، وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به: (ونجني من فرعون وعمله)، وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم: (ونجني من القوم الظالمين). ثم يعقب على هذا بقوله: ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهي صوره، فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذِ في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي.

ولكنها استعلت على هذا بالإيمان، ثم يضيف إلى هذا أنها اعتبرت هذا شر استعاذت بالله منه طالبة النجاة من هذا البلاء. والقرآن لم يحفل هنا بذكر أسماء امرأتي نوح ولوط، كما لم يتعرض لذكر اسم امرأة فرعون، لأن العبرة ليست بالأشخاص، وإنما العبرة بما يستفاد من المثل من هدف وتوجيه، فالحقيقة هي الحقيقة، والأشخاص نماذج وصور معبرة عن هذه الحقيقة،

ولذلك لم يعن القرآن بمثل هذه الجزئيات التي لا يزيد ذكرها الحقيقة شيئًا كما لن يضر عدم ذكره الحقيقة في شيء. وقد ذكر النيسابوري أن امرأة نوح اسمها واعلة وامرأة لوط اسمها وأهلة، وقد أيد هذا الرازي والغرناطي، إلا أنه ذكر رواية أخرى تقول إن امرأة نوح والعة واسم امرأة لوط والهة، ونظرة واحدة إلى الاسمين نراهما قد اتفقا في الحروف وإن كان فيهما قلب مكاني، ولعل هذا يرجع إلى تصحيف الرواية أو اختلاف الرواة، أما اسم امرأة فرعون فقد ذكر الزمخشري والرازي والنيسابوري أن اسمها آسية بنت مزاحم، وقيل عمة موسى عليه السلام، وقد أيد الرواية الأولي كل من الخازن والغرناطي والقرطبي، وتبعهم الشيخ الصابوني.

(وكالة الصحافة العربية)