أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعَلِم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أيْ ربّ، اغفر لي ذنبي: فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء».
هذا الحديث القدسي أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي الحنيف الذي يقرر لنا قاعدة عظيمة تحكم علاقة الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى، هذه القاعدة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي يقول فيه: «كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون». فمهما اجتهد الإنسان في تزكية نفسه ومراقبتها، فإنه لابد أن يلم ببعض الذنوب والآثام، وهذا أمر طبيعي يعود إلى أصل تركيبه الممزوج بالخير والشر والذي يمثل مادة الصراع داخل كيان الإنسان، وأصل الامتحان والابتلاء الذي تدور عليه حركة الإنسان خلال عمره المؤقت في الحياة الدنيا،
قال تعالى: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون» الأنبياء 35، وأمام هذه الحقيقة الكبرى تظهر لنا رحمة الله تعالى بعباده الخطّائين، حيث فتح لهم باب التوبة على مصراعيه وفي كل الأوقات، ليغفر لهم ذنوبهم مهما بلغت وليفتح لهم باب الأمل في النجاة من العذاب، والفوز بمغفرته ورضوانه وعندها يتخلصون من شعورهم بوزر آثامهم، وتأنيب ضميرهم الذي يسبب لهم مزيداً من الآلام النفسية القابلة للتطور والتشكّل كأمراض نفسية مستعصية على العلاج.
ومن هنا تأتي التوبة رحمة من الله تعالى بلسماً لتلك الآلام وعلاجاً لتلك الأمراض المتولدة من شعور الإنسان بوطأة ذنوبه، وتحقيقاً لذلك فتح الله تعالى لعباده باب الأمل فناداهم بقوله تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم» الزمر 53، والحديث الذي معنا يؤكد على هذا المعنى بأبهى صورة وأبلغ تعبير، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه فضل التوبة، وأن الله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، يغفر ذنوب عباده إذا أخلصوا التوبة، فإذا أذنب العبد ثم رجع إلى ربه واستغفره قبل الله توبته وغفر له، مهما كثرت الذنوب وتجددت التوبة.
والعبارة اللافتة في هذا الحديث القدسي قوله تعالى: «فليفعل ما شاء» أي ما دام هذا العبد يذنب ويتوب إلى ربه فإن الله تعالى سيغفر له لأن التوبة تهدم ما قبلها، وعندها يتخفف العبد من شعوره بالذنب، فهو مخلوق بطبيعته ضعيف، ومعرض للوقوع في الأخطاء، ولكنه مادام يعترف بخطئه، ويستغفر ربه فليس هناك حاجة ليعذب نفسه ويهلكها بالشعور بالذنب والخطيئة بل يجب عليه أن يكون واسع الرجاء، عظيم الأمل برحمة الله ومغفرته،
وهنا يحلو الختام في هذا الموضوع بالتذكير بقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، الذي يأتي غاية في بيان رحمة الله وسعة مغفرته لعباده، حيث قال: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم» مسلم. وهذه دعوة من الله تعالى لعباده الخطّائين ليسارعوا إلى التوبة والاستغفار، وليست دعوة لارتكاب الذنوب كما يتصور البعض من أصحاب النفوس الضعيفة.
د. أبو بكر علي الصديق