مستقبل الجاليات الإسلامية في العالم الغربي طرح نفسه مرة أخرى أمام علماء ومفكرين مسلمين بعدما أطلقت بداياتها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 وارتفعت حدتها بعد قضية نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما جعل الحديث عن مستقبل الجاليات المسلمة يعود للطرح مرة أخرى استناداً إلى تراجع العديد من مسؤولي الدول الأوروبية عن تصريحاتهم العدائية ضد الإسلام والمسلمين.
علماء ومفكرون مسلمون أكدوا على أن ما يتعرض له المسلمون حالياً ليس وليد اللحظة الراهنة، ولكنه يعود إلى زمن بعيد في ظل أن طبيعة هذه الهجمات تأتي على فترات متباينة وهو ما يعني أن مستقبل هذه الجاليات غير واضح، مطالبين بتشكيل لوبي قوي في الغرب توازياً مع اللوبي اليهودي الذي يعمل بقوة هناك منذ فترات طويلة،
إضافة إلى أهمية وجود دور أكبر للإعلام الرسمي الإسلامي حتى يمكن تطبيق نموذج إسلامي معاصر على أرض الواقع يواجه التحديات الحضارية المفروضة على المسلمين بشكل عام. السفير «يان هينجستون» مدير المعهد السويدي للحوار بين الحضارات والثقافات في الشرق الأوسط أشار أن الحديث عن تعرض الجاليات الإسلامية للإيذاء وتشويه صورتها يختلف من دولة لأخرى، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ان الجاليات المسلمة في العالم الغربي ليس لديها فكر واضح تقوم من خلاله بنشر ثقافتها وتوضيح الصورة السليمة عن الإسلام
وبخلاف الجاليات اليهودية التي استطاعت أن تحجز لها مكاناً مميزاً وسط المجتمعات الغربية منذ أكثر من قرنين من الزمان، وأصبح لديها تجمعات خاصة بها يمكنها من خلالها تقديم أفكارها وخططها المستقبلية للاندماج وسط المجتمعات الغربية، وهذا ما أعتقد أن الجاليات الإسلامية مطالبة بأن تقوم به خلال الفترة المقبلة. و يضيف «يان» أن الارتكاز إلى الماضي وان المسلمين مضطهدين وسط المجتمعات الغربية يمكن التغلب عليه عبر الاندماج كمواطنين من الدرجة الأولى عبر الأنشطة التي يقومون بها لأن اغلب المسلمين يعيشون على إرث الماضي وليس الحاضر، أيضاً يمكن القول إن الأجيال القادمة هي التي تستطيع أن تقوم بتقديم نموذج فكري حضاري أفضل من الأجيال الحالية التي تعيش في الأوساط الأوروبية
أما د. عبدالمعطي بيومي عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر أكد أن المسلمين يتعرضون لهجمات من الدول والشعوب الأوروبية والأميركية منذ زمن بعيد، لكن ما يحدث أن هذه العداءات تشتد وتهدأ كالريح، واشتدت مع حدوث انفجارات واشنطن ونيويورك في ثلاثاء الحادي عشر سبتمبر من العام 2001، وقد استغلت الصهيونية العالمية المتحفزة ضد الإسلام على طول الخط هذا الموقف وراحت تنفخ في نيران العنصرية والألم الأميركي وتدفعه نحو مزيد من العداء لدول العالم الإسلامي وكافة الشعوب الإسلامية، وقد نجحت في ذلك بعض الشيء فوجدنا ما يشبه الهجمة العامة ضد الإسلام والحضارة الإسلامية .
وقال د. بيومي : إن ذلك سيكون سبباً في إحداث مزيد من التفرقة ضد المسلمين في هذه الدول انطلاقاً من نظرتهم السيئة عن الإسلام والمسلمين، وأستشهد بالموقف الأميركي من تسجيلات الصندوق الأسود للطائرة البوينج المصرية التي تفجرت في المحيط الأطلنطي، حيث أنهم اعتبروا ما ردده قائدها لعبارة «توكلت على الله» إقداماً على عمل انتحاري وحاولوا إلصاق التهمة به واعتباره أنه قام بعمل انتحاري وفجر الطائرة، في حين أننا نعلم جميعاً أن من يقدم على الانتحار لا يردد مثل هذا الكلام لأنه يكون بعيداً كل البعد عن الله سبحانه وتعالي .
واعتبر د. بيومي أن قصور الإعلام الإسلامي في توضيح مبادئ دينه للعالم الغربي وعجزه عن مواجهة الرسائل الإعلامية الصهيونية الخبيثة سبباً للاعتقاد السيئ ضد الإسلام والمسلمين، وطالب رجال الأزهر الشريف وكافة المؤسسات الإسلامية في دول العالم الإسلامي بإقامة مظلة حماية للمسلمين في شتى أنحاء العالم، حتى لا يتعرضوا لمزيد من الاعتداءات والتي سيحدث العديد منها لا محالة. إعلام إسلامي أما د. أحمد كمال أبو المجد وزير الإعلام المصري الأسبق والمفكر الإسلامي، فيرى بداية أن هناك حقيقة لابد من طرحها وهي أن اليهود استطاعوا أن يوهموا العالم الغربي كله بصدق قضيتهم من خلال إعلام مزيف، وهذا يجعل المسلمين أصحاب القضية العادلة أجدر بنقل وجهة النظر العادلة إلى الرأي العام في الغرب،
ويمكن أن يتم ذلك بأن يكون هناك تعاون فيما بين المسلمين في الخارج من ناحية وبين المسلمين في الداخل وحكومات الدول الإسلامية من جانب آخر والقيام بتنسيق على كافة المستويات، بحيث تستطيع أجهزة الحوار الرسمية والدبلوماسية الاتصال بحكومات الدول الغربية وتتولى الجاليات والتجمعات الإسلامية خلق اتصال مع المنظمات غير الحكومية في دول أوروبا وأميركا لعرض قضيتهم العادلة لتحقيق مزيد من التناسق بين الدبلوماسية الرسمية والخطوات السياسية بين شعوب العالم الغربي .
وأضاف د. «أبو المجد» أن هناك دوراً لابد أن يأخذ مزيداً من الاهتمام وهو الاتصال بأجهزة الإعلام بشتى أشكالها في دول العالم الغربي من صحف ومحطات تلفزيون وشبكات إنترنت وسينما ومسرح وغيره من الأجهزة المؤثرة في الرأي العام بهذه الدول، وننصح بألاتقع الجاليات الإسلامية في الغرب في الخطأ الذي عانت منه فترة طويلة وهو إصدار ما يشبه النشرات باللغة العربية أو بغيرها ولا تصل إلا للمسلمين فقط، أو إنشاؤهم لمحطات تلفزيونية ناطقة باللغة العربية،
فإن كانت هذه الوسائل مهمة لتحقيق مزيد من الاتصال بين المسلمين وبعضهم في الخارج والحفاظ على لغتهم الأصلية وطبائعهم الشرقية، إلا أنها لم تحدث اتصالاً بينهم وبين باقي فئات المجتمعات التي يعيشون فيها، وقال وزير الإعلام الأسبق انه على مستوى الحكومات الغربية فإن مصالحها مع الدول الإسلامية والعربية ستدفعها إلى حماية المسلمين ومنحهم مزيداً من الحقوق التي ظلوا محرومين منها لسنوات طويلة باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثالثة في البلاد الغربية.
قوة ضغط
أما الكاتب الإسلامي فهمي هويدي فقد طالب المسلمين في شتى الدول الغربية بتكوين جماعات ضغط في البلاد التي يقيمون فيها وانتقاء ممثلين عنهم في برلمان هذه الدول أو مجالسها النيابية، بالإضافة إلى المشاركة في كافة أشكال الحياة السياسية بهذه الدول وبصورة فاعلة، فالمسلمون في أميركا وصل تعدادهم لقرابة الثمانية ملايين مسلم ومع ذلك فإن تأثيرهم في الانتخابات الأميركية غير محسوب، بخلاف اللوبي الصهيوني الذي ينشر أذياله في الكونغرس ومجلس الشيوخ والبيت الأبيض، ويستخدم قوته في هذه الدولة العظمى لخدمة الأهداف والمصالح الإسرائيلية .
وأضاف هويدي : إن الأحداث الأخيرة التي نتجت عن قضية الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام فرضت عليهم حتمية الوحدة وإعادة النظر في كثير من المسائل، يأتي على رأسها تكوين لوبي يخدم مصالحهم ويوفر لهم مزيداً من الحماية ويعيد إليهم حقوقهم، ولن يأتي هذا بين يوم وليلة، لكنه يحتاج إلى صبر وجهد مدروس، لأن شراسة اللوبي الصهيوني وغيره من المنظمات الأخرى المعادية للإسلام سوف تزداد خلال الفترة القادمة والتي سيشعرون فيها أن هناك (لوبي إسلامي) سيتم تكوينه، وأشار هويدي إلى ضرورة قيام باقي الجاليات الإسلامية والمسلمين في الدول المختلفة بالسير في هذا الاتجاه . دور المؤسسات الدينية
على جانب آخر أشار المفكر الإسلامي د. محمد عمارة : إن الحكومات الإسلامية والمؤسسات الدينية كالأزهر لابد أن تقوم بدورها لحماية المسلمين في العالم الأوروبي وأميركا أسو ة بما تقدمه الكنيسة وحكومات هذه الدول للإخوة المسيحيين في دول العالم الإسلامي ففي كل الأزمات المفتعلة في مصر خلال الفترة السابقة، قدم العديد من المنظمات المسيحية ومندوبي الدول للوقوف على تطورات هذه الأزمات والتي حاول البعض تصويرها وهماً وكذباً على أنها فتنة طائفية، كي تأخذها بعض الدول ذريعة لفرض نوع من العقوبات المادية أو المعنوية على مصر.
أيضاً نرى ما قام به الرئيس الأميركي من زيارة المركز الإسلامي في أميركا وإعلانه لمرات عديدة احترامه للدين الإسلامي لم يأت من فراغ وإنما لإدراكه أن مصالحه مع دول العالم الإسلامي يمكن أن تتعرض لتهديدات في حالة تركه الحبل على الغارب للمنظمات العنصرية . ودعا د. عمارة إلى ضرورة إيجاد صيغة إعلامية توضح للعالم الغربي مبادئ الإسلام وسماحته ونبذه للعنف، حتى تمحو الصورة السيئة عن الإسلام والمسلمين في أذهان الشعوب الغربية.
القاهرة - وكالة الصحافة العربية

