يواجه الإسلام حربا ضروسا منذ أحداث 11 سبتمبر، وكثر أعداء الإسلام في الغرب والذين يلقون بمختلف التهم على الإسلام والمسلمين ويتصيدون الوقائع لشن حروبهم الإعلامية بلا منطق أو عقل.. يفتشون في القرآن والسنة، ويتوقفون عند بعض الكلمات أو الأخبار ليتم تأويلها حسب أهوائهم الجامحة لتنطلق دعواتهم ومغالطاتهم وهجومهم الشرس ضد الإسلام في محاولة للنيل منه.. ولكن ماذا فعل علماء الإسلام في مواجهة تلك الهجمات الشرسة، التي تحاول النيل من كل ماهو إسلامي وعربي بعدما تحول العرب والمسلمون إلى متهمين في نظر الغرب لمجرد أنهم يدينون بالإسلام.
د.عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كشف لنا كيف يمكن لعلماء الإسلام مواجهة مزاعم الغرب، وادعاءاتهم ومخططاتهم وتفنيد أكاذيبهم، وذلك من خلال الملتقى الإسلامي السنوي المنعقد تحت إشراف وزارة الأوقاف المصرية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وأكد أن أعداء الإسلام الذين لا يريدون أن تهدأ لهم حال، إلا إذا أزالوا الإسلام من الدنيا ـ وهكذا يفكرون ـ ونجد أن رؤساء دول ومُفكرين كبار يقولون إن الإسلام يجب أن ينتهي من الحياة، ويزال من الدنيا..
وأقاموا نظريات تدعو وتبرر لمخططهم ومنهم «صموئيل هتنجتون» الخبير الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأميركية، والرجل الذي ينظم ويرتب حدود العمل للقضاء على الإسلام وآخر يدعى «فوكوياما»، وقام بتأليف كتاب أطلق عليه «نهاية التاريخ» ونهاية التاريخ تعني أنه عندما سينتهي التاريخ سوف ينتهي الإسلام من الوجود، ولن ينتهي التاريخ إلا إذا انتهى الإسلام..
وقال فضيلته: والحقيقة إذا تأملنا ما يقوله هؤلاء الناس في محاربة الإسلام، فيمكننا أن نتوقف أمام نقطتين مهمتين الأولى.. لماذا يحاربون الإسلام؟ والثانية.. كيف يحاربون الإسلام؟ وأردت أن أبدأ بالنقطة الأولى. فلماذا يحاربون الإسلام؟ وأقول: طبيعة الناس في الحياة هي الصراع والصدام بين الحق والباطل بين الهدى والضلال وبين الظلام والنور، وهي سُّنة موجودة في الكَوْن، والطبيعي انه لابد وأن ينتصر الحق في النهاية،
لكن لابد أن يكون للإسلام جنودٌ تُبذل في الدفاع عنه وفي حمايته حتى ينتهي الأمر إلى انتصار الحق وقد حدث هذا الصدام ليس مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقط بل مع كل الأنبياء والمرسلين، فلا يوجد نبي من الأنبياء والمرسلين إلا وتعرض له قومه وآذوه وأخرجوه وعذبوه حتى جاء الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجرت عليه هذه السُّنة، فتعرض للأذى من قومه وأخرجوه مما اضطره للهجرة إلى المدينة المنورة ولأنه من طبيعة الصراع الاستمرار مع اختلاف العصور.
الصق التهم بالإسلام ويضيف د. عبد الصبور : يبدو الصراع واضحا بعد أحداث 11 سبتمبر بعد أن الصق الغرب التهم بالإسلام، ومن ثم بدأ التخطيط للقضاء على الإسلام وربطوا بين الإسلام وبين الإرهاب! فكلمة مسلم بمنطقهم تساوي إرهابي! وإرهابي تساوي إسلام. وقد درس العلماء المسلمون هذه القضية وعقدت المؤتمرات والندوات وسجلت الرسائل لدراسة هذه الأحوال لكي نعلم كيف نقاومها وكيف نستطيع في النهاية أن نحمي ديننا من الزوال، وكنت واحدا من المعنيين بهذا الأمر،
وشاءت إرادة الله أن مؤسسة «رئاسة الجمهورية» قامت بتحديد 40 موضوعا، وأعطت لستة من العلماء كان منهم د. محمود حمدي زقزوق ومحدثكم وقمنا ودرسنا هذه الأمور في صمت كبير وقمنا بإعداد خطة عمل لمواجهة مزاعم الغرب ومغالطاته وكيفية التحرك وفي النهاية طبع كتاب عن هذه الموضوعات وهو الآن يترجم إلى جميع لغات العالم وبدأت الأمور هكذا، ثم بدأنا بدعوة المفكرين والعلماء إلى إقامة الندوات والمؤتمرات واللقاءات نعرض من خلالها القضية وكيفية معالجتها وكيفية الخروج من الأزمة..
وقمنا بدراسة أساليب أعداء الإسلام، وكيف يحاربوننا وتبين لنا من خلال البحث والدراسة أن أعداءنا يبحثون في الإسلام على نقطة الضعف.. ويفتشون في المصحف، وأي كلمة يؤولونها ويجعلوها سُّبة أو فيها ما يمكن اعتباره إساءة للإسلام ويتعلقون بها، ومنذ 11 سبتمبر وإلى اليوم وغدا يبحثون عن نقطة الضعف وعندما لا يحصلون عليها فلا يكون منهم سوى الشتائم والسب عبر شبكة الإنترنت بكلمات حقيرة إلا أنني أشعر من خلال هذه الأكاذيب والافتراءات أنهم مذاكرون وحافظون للقرآن أكثر منا وهم يبحثون دائما عن أي آية في القرآن ويتشبثون بها وهكذا.. افتراءات وأباطيل.. إلا أننا نرد على هذه الأكاذيب والافتراءات والتهم، ونترجمها ونرسلها لهم على نفس موقع من يتهمون الإسلام ويكيلون له التهم وراء التهم.
ويشير إلى بعض أكاذيب الغرب مؤكدا أنهم بها يهاجمون القرآن ويقولون ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي ألفه من عنده، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ القرآن من عند اليهود والنصارى، كما قالوا إن محمداً لم يكن قادرا على صياغة القرآن فاحتاج إلى أن يأخذ من الآخرين، وهذا كلام كله باطل.. وعندما ننظر إلى اتهام سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتأليف القرآن نجد أنه كلام فارغ فالتهمة كبيرة، ولكنها فارغة،
ولماذا لم يأخذ من العرب مثلاً فهم الأقرب له؟ فقالوا لم يأخذ من العرب لأن القرآن نزل باللغة العربية، وما دام نزل بها فهي أجمل وأحلى من اللغات الأخرى، وقالوا: إن القدامى من الشعراء والأدباء العرب يفهمون اللغة العربية جيدا فهم حاولوا أن يلصقوا تهمة بالإسلام! وقالوا إنه شعر ولم يكن شعرا، وقالوا إنه نثر ولم يكن نثرا، فقالوا في النهاية وهم أرباب الفصاحة والبلاغة «إن هذا إلا سحرٌ يؤثر» وتحداهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلاً لهم فلتأتوا بمثل هذا القرآن!!
فعجزوا فقال لهم القرآن الكريم «فلتأتوا بعشر سور منه»!! فعجز المشركون أن يأتوا بعشر سور من مثله، وقال لهم القرآن «فلتأتوا بآية واحدة» فعجزوا!! وعندما عجزوا استشعروا أنهم لن يستطيعوا أن يغلبو القرآن!! فبدأ اليهود والنصارى في كل من مكة والمدينة ولم يستطع هؤلاء أن يخرجوا من عندهم ما يهزموا به القرآن، وقالوا أخيرا إن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أخذه من أساطير الأولين والقصص التي كانت موجودة من الأمم السابقة، وبدأ يعيده بشكل آخر على المجتمع العربي وكل هذا الكلام تافه،
وغير جدير بالاحترام، لماذا؟ لأنهم لم يناقشوا مناقشة علمية، فهم يطلقون الاتهامات في الهواء ويطلقونها بدون وعي ويتقولون على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد درسنا أسلوبهم في محاربتهم للإسلام، فهم يأتون بقضية ليس لها معنى وينبشون فيها ويخرجون بكلمة أو بخبر ويهدفون من ورائها الإساءة للإسلام، فيتقولون عليه وهناك كثير من الكتب في عالمنا العربي والإسلامي تنشر لمحاربة الإسلام، وكذا بعض المواقع الموجودة على شبكة الإنترنت تهاجم الإسلام.
ومنهم من يتهم النبي المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لم يكن أمينا في علاقته مع المجتمع الذي كان يعيش فيه وإنه غير جدير بالاحترام! رد مقنع ونرد على هذا الافتراء برد بسيط أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جاءته النبوة وكان عنده 40 عاما وفي سن 35 كان له احترام كبير في المجتمع العربي، والدليل على ذلك أنه عند بناء الكعبة بعد هدمها اختلفوا في وضع الحجر الأسود ومن الذي يضع هذا الحجر وكادت تقوم حرب بين القبائل،
فكل قبيلة كانت تريد أن يكون لها شرف وضع الحجر الأسود لأهميته عندهم، واتفقوا على أن أول فرد يدخل الحرم نسأله ونقتضي بحكمه وهو الذي يضع الحجر الأسود، وشاءت إرادة الله أن يكون سيدنا محمد هو أول من دخل في تلك اللحظة على الناس وهم مختلفون، وقدم اقتراحا بسيطا وهو أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفرش رداءه ثم يضعون الحجر عليه، وكل شيخ من مشايخ القبائل يمسك بطرف الرداء،
وقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بوضع الحجر في مكانه، لتنتهي المشكلة ويبدو من ذلك مكانته الكبيرة بين القبائل. ويشير د. عبد الصبور إلى أن هناك أمرا آخر وهو أنه عندما كان النبي صغيرا كانوا يدعونه في حلف الفضول، وحلف الفضول هو مجموعة من الرجال العقلاء الأشراف ويجتمعون لنُصرة المظلوم وللدعوة إلى الحق وإغاثة الملهوف، وكانت أعمالهم أعمالاً خيرية وقال صلى الله عليه وسلم عنه لو دُعيت له في الجاهلية لأجبت ثناء على هذا الحلف،
وكل هذا يوضح منزلة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومكانته في مجتمعه ويوضح لنا منزلته لديهم وهكذا كان رسول الله رجلاً محترما فاضلاً كريما، كما أنهم اتهموا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه رجل مزواج وبأنه شهواني، ونرد على هذا الافتراء أنه عندما تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها لم تكن بكرا وتزوجها وهي أرمل، وعاش معها طول حياته ولم يتزوج عليها.. إذن هو رجل ليس شهوانيا كما يقولون وهو رجل يعيش الضرورة بقدرها،
ولما توفيت السيدة خديجة جلس فترة طويلة، ولم يتزوج فأشفق عليه الصحابة وتشاوروا فيما بينهم بأنه يحتاج إلى من يرتب له أموره في المنزل، واختاروا له امرأة فاضلة هي السيدة عائشة رضي الله عنها واتفق على أن يتزوجها، وكانت نعم الزوجة. وعند مناقشتنا للتاريخ نجد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما تزوج بعد وفاة السيدة خديجة كان عمره 52 عاما، وهي سن تهدأ فيها الناحية الشهوانية، فيكون الإنسان غير ملهوف على النساء، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بقية سنوات عمره يرعى أولاده ويدعو إلى صراط مستقيم، فهذه الافتراءات من ناس عندهم حقد أعمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويشير إلى أنهم افتروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نشر الإسلام بالسيف، وعند مناقشتنا للتاريخ نجد أن حكاية السيف لم يكن لها صلة بالإسلام، وأن التأثير كان بالدعوة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ويؤكد د. عبد الصبور بقوله: لا يمكن أن يشك إنسان منصف في أن الدين الإسلامي دين يدعو إلى السلام، ولم يكن دين حرب وقتال بالمعنى الذي يفهمه أعداء الإسلام، لأنه حينما دعا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام في مكة، كان يعتمد في دعوته على العقل والمنطق والأدلة الإقناعية،
وأخذ يدعو قومه في لين ورفق، ويقرأ عليهم القرآن ويطالبهم بالدخول في دين الله، مبينا لهم أنه دين الحق والفطرة السليمة، فلم ينتشر الإسلام بحد السيف، وقد اضطر المسلمون في صدر الإسلام للهجرة إلى الحبشة فرارا من الإضطهاد والتعذيب، واضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة، بعد أن لقي كثيرا من الشدائد من أعداء الإسلام، واحتمل المسلمون كثيرا من الظلم والعذاب، لينتشر الإسلام بقوته المنطقية ومبادئه الإنسانية، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وليسره وسهولته وتسامحه، وموافقته للعقل والمنطق والطبيعة، فانتشر في الهند وباكستان والصين وكثير من البلاد الإفريقية والآسيوية بلا سيف ولا حرب،
وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الالتجاء إلى السيف كي ينتصر الإيمان والحق على الباطل، فليس في وضوح دعوة الإيمان وسلامتها من الناحية العقلية والمنطقية فققط نلزم العقول المكابرة بالتسليم، لذلك كان لابد من قتال كفار قريش الذين حاربوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وآذوه وأكرهوه على الهجرة، ومن أجل ذلك شُرع القتال،
ويوضح د. مرزوق أن القتال في الإسلام بني على مبدأين هما الدفاع عن النفس عند التعدي، والدفاع عن الدعوة إذا وقف في سبيلها مُعتدٍ أثيم، أو حاول الاعتداء على مَنْ اعتنقوا الإسلام راضين مختارين، أو منع مَنْ يريد الدخول في الإسلام، أو من وقف في طريق صاحب الدعوة إلى الحق وحال بينه وبين العمل على نشر دعوته، وأشار فضيلته إلى نقطة مهمة، وهي أنه من العجيب أن يدعي المتعصبون انتشاره بالسيف، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما دعا إلى الدين الإسلامي، كان وحيدا لا أحد معه ولا سلطان له، وقد عاداه وآذاه أقرب الناس إليه، ولكنه صلى الله عليه وسلم صبر وثابر،
واستمر يدعو إلى الطريق المستقيم، وإلى الدين الحق بالحسنى، وأثبت لهم بالعقل والمنطق محاسن الإسلام، فأقبل من هداهم الله على دينه طائعين مختارين واثقين مؤمنين، ولم يدخل محمد في حرب إلا مُضطرًا. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، لذا نقول إن الإسلام انتشر بقوة الإقناع والرجوع إلى العقل والمنطق والمجادلة الحسنة،
وقال تعالى ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) فالإسلام لم يمسك السيف إلا لمحاربة الظُلم والدفاع عن الحق والنفس والمظلومين، ولم ينتشر إلا بالإيمان والصبر وإنكار الذات. وقال فضيلته متعجبا: ولو كان القتال في الإسلام، لحمل الناس على اعتناقه وما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال والنساء والصبية والشيوخ والمرضى والرُهبان، فالقتال كان للدفاع ولم يكن للهجوم، إذن فالإسلام لم ينتشر بالسيف ولكن بالإيمان والعقيدة والثقة والتصديق، وحَرَّر الشعوب المظلومة التي كانت تئن من جَرَّاء الظلم والتعسُّف والجبروت.

