الحقيقة أننا نجد في حياتنا اليومية كثيراً من الناس يمتلكون هذه المقومات جميعاً وليست واحدة، وهم أشد خلق الله تواضعاً، وأطيب الناس خلقاً، وألينهم جانباً، وأرقهم كلاماً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم أخلاقاً وألطفهم معاملة. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، وتند عن الحصر، ويقف الأنبياء على رأس هذه القائمة المباركة، نظراً للاصطفاء الإلهي، والمدد الرباني، ولو تصفحنا طبقات العلماء أو طبقات الأدباء وطبقات الفلاسفة، وطبقات الصوفية لتأكدنا أن الأغلبية تتميز بحسن معاملة الآخرين والسماحة معهم، والذوبان في شخصيتهم، والسلوك المهذب الرقيق الذي يأسر قلوب الآخرين وفي مقابل ذلك القلة من البشر هي التي تتسم بهذا السلوك المتعالي، والجفاء الممجوج، والكبرياء الفارغ.

ولا شك أن مصدر ذلك يرجع إلى خلل في تفكير المتكبر واعوجاج في ثقافته وميراثه الفكري وانحراف منهجه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، اضطراب في أبعاد الشخصية، ومصدر نفسي ملحوظ، ونقصد في جانب من جوانب حياته العائلية أو... أو... ومن ثم يسعى أن يكمل هذا النقص ويعوض ذلك القصور، ويسد هذه الثغرات في شخصيته. ومن ثم فإن هذه الفئة من الناس، تضع هذا القناع على وجوههم، لكي يتخفوا وراء النفخة الكذابة، وليتهم قرأوا قصيدة «الطين» لإيليا أبو ماضي (1956) وهو يقول:

نسى الطين ساعة أنه طين حقير

فصال تيها وعربد

وكسى الخز جسمه فتباهى

وحوى المال كيسه فتمرد

إن المتأمل في حقيقة الإنسان يلحظ أول ما يلحظ أنه ذرة مغرورة داخل هذا الوجود، هباءً منثوراً يطارده الموت في كل مكان، ويتعقب خطواته، ويجند له أينما كان وحيثما ذهب سواء أكان برعماً ندياً يطل برأسه على الحياة، أو يسقط كالثمرة الناضجة ألا يتذكر هذا الإنسان أنه سيصير إلى التراب، كما صار الفراعنة والملوك الجبابرة، يعمل منه الكيزان والبنيان كما يقول الإمام الغزالي ألم يسمع قول علي بن الحسين البستي (400ه) وهو يقول:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته

أتطلب الربح فيما فيه خسران؟

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

وأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذ نفى عنه المولى عز وجل أن يكون خشن الجانب في حق المؤمنين أو غليظ القلب أو فظاً في أسلوبه، فقال: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر». آل عمران: 159. ولما كان القرآن قد نفى عنه هذه الصفات نفياً قاطعاً، واستبعدوها من شخصيته فمعنى ذلك أنه أثبت الصفات المناقضة لذلك، وهذا يسمى في المنطق «برهان الخلف» أي البرهنة على خطأ نقيض القضية التي نتكلم عنها، وموجز القول انه أثبت له حسن المعاملة وحلو الحديث، ولين الجانب والرفق الصغير وتقدير الكبير ومشاورة الجميع وهي كلها صفات تنبثق من شجرة الحب والمودة والتواضع التي يجب أن نتشبه بها.

د. محمد الزيني