قصة عجيبة وقعت مع أمير شاعر هو أبو النصر الحسن الفارقي ذاع صيته حتى في دولة السلاجقة فكان له في دار الحكم مكان مرموق، وقول موثوق، وكان على مروءة وشهامة. ومما يذكر في ذلك ما رواه قاضي عسكر نور الدين محمود بن زنكي قال: قدِمَ على ابن مروان صاحب ديار بكر شاعر يعرف بالغساني وكان من عادة ابن مروان إذا قدم عليه شاعر أن يكرمه وينزله ولا يجتمع به إلا بعد ثلاثة أيام ليستريح من سفره، ويصلح من شِعره ثم يستدعيه ليستمع إليه. ولم يكن الغساني أعد شعرا في ابن مروان فمكث الثلاثة أيام يحاول نظم شيء فلم تسعفه قريحته ببيت واحد.
وعلم أنه سيُستدعَى في مجلس ابن مروان فتصرف تصرفا عجيبا، إذ لجأ إلى قصيدة من نظم الشاعر أبي النصر الحسن الفارقي فأخذها كاملة دون تغيير أو تحريف! فلما دُعِيَ إلى المجلس ألقى القصيدة كاملة، فأعجب بها ابن مروان وأمر له بصلة طيبة. ويبدو أن أحد الحاضرين كان يعرف القصيدة ويحفظ بعضها ويعلم أنها للفارقي، فأخبر ابن مروان بذلك، فغضب غضبا شديدا حتى قال: يأتينا هذا الرجل فنكرمه فيسخر منا؟ وأمر بعدم السماح للغساني بالانصراف، وأمر بالكتابة إلى أبي النصر الفارقي وأن يُكلف بأن يبعث لهم بالقصيدة مكتوبة بخط يده.
بيد أن أحد الحاضرين كان من أصدقاء الغساني فخاف عليه عاقبة الأمر فأخبره ليتدبر أمره. فسارع الغساني لتدارك الأمر فكتب إلى أبي النصر الفارقي معترفا حتى قال له: (.. إني قدمت على الأمير فأُرْتِجَ عليّ قول الشعر، مع قدرتي عليه، فادعيت قصيدة من شعرك هي كذا وكذا.. استحسانا لها، وإعجابا بها ومدحت بها الأمير، ولا أستبعد أن يبلغ الأميرَ شيءٌ عن هذا فيبعث يسألك عن ذلك وإني أسألك رأيك الموفق في الجواب..) وبعث الكتاب مع غلام له جلْد مُجِدّ.
وحدث أن وصل الغلام إلى أبي الحسن قبل أن يصل إليه رسول الأمير. ولما وصله كتاب الأمير بعث يقول له إنه لا يعرف هذه القصيدة ولم يسمعها من قبل! ففرح الأمير بهذا الجواب وأغلظ لمن قال له إنها منحولة من أبي الحسن بن أسد حتى اتهمهم بالحسد لمن ينال الجائزة، وأنهم يريدون الإساءة إلى الأمير، ثم أضعف الجائزة للغساني. وأخذها وانصرف إلى بلاده سعيدا.
أما ابن أسد فقد عز أمره في بلده حتى اجتمع أهلها ودعوه أن يؤمِّروه عليها، وزيّنوا له أن يجعل الخطبة تخلو من الدعاء لابن مروان، وأن يكتفي بالسلطان ملكشاه وحده، وهكذا أصبح أميرا على مَيَّا فارقين، فلما بلغ ذلك ابن مروان سير إليه جيشا وحاصره ولكن الجيش عجز عن النصر فأرسل ابن مروان إلى نظام الملك والسلطان ملكشاه يستعين بهما فأنفذا إليه جيشا بقيادة الشاعر الغساني والذي كان قد أصاب مكانا في صدر الدولة جعله يبلغ هذا المبلغ،
واستولى الجيش على المدينة وسقطت دولة الشاعر ابن أسد الفارقي وجيء به أسيرا إلى ابن مروان الذي أمر بقتله، إلا أن الشاعر الغساني وهو قائد الجيش المنتصر قام بين يدي الأمير ابن مروان وشدد واجتهد في الشفاعة، وأبدى ابن مروان ممانعة قوية، بيد أن الغساني قال: أيها الأمير إن بيني وبين هذا الرجل ما يوجب قبول شفاعتي فيه وأنا كفيل ألا يحدث منه شيء يكرهه الأمير فاستحيا الأمير وأطلقه.
وفي اليوم التالي جاءه الغساني وقال له: هل تعرفني؟ قال: لا ولكنك ملك من السماء مَنّ الله بك عليّ لبقاء مهجتي! قال: أنا الغساني الذي ادعيت قصيدتك وسترتَ عليّ، وما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان، قال ابن أسد: ما رأيت ولا سمعت بقصيدة جُحِدَتْ وانْتُحِلَتْ فنفعتْ صاحبها أكثر من نفعها لو بقيت منسوبة إليه كهذه القصيدة. وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.