قال عنه الدكتور نجيب محمود: مسكويه هو أبو علي بن مسكويه الطبيب اللغوي المؤرخ، وقد توفى عام 1030م، وله مذهب فلسفي في الأخلاق، هو مزيج من آراء أفلاطون وأرسطو وجالينوس، بالإضافة إلى أحكام الشريعة الإسلامية. حيث يقول: إن الخير هو كمال الوجود، ولكي يبلغ الموجود غاية الخير، لا بد له من استعداد فطري يميل به نحو غايته تلك، فالناس يختلفون في استعداداتهم الفطرية: منهم أخيار بالطبع ـ وهم قلة ـ لا يفسدهم الشر، لأن ما هو مفطور بالطبع لا يتغير إلى ضده، ومنهم أشرار بالطبع ـ وهم كثرة ـ لا يتحولون إلى الخير أبداً، ومنهم فئة محايدة بفطرتها فلا هي خيرة بطبعها ولا شريرة بطبعها، وهذه الفئة وحدها هي التي تفلح فيها التربية، إذ بالتدريب ينتقلون إلى الخير إذا كان تدريباً صالحاً كما أنهم ينتقلون إلى الشر إذا كان تدريباً فاسداً.

والإنسان الخيّر إنما يسعد بخيرته إذا صدرت عن طبيعته الإنسانية الأصيلة، ألا وهي العقل، وليست السعادة أو الخير على درجة واحدة عند الأفراد جميعاً، بل إنها لتتفاوت درجات، على أن الخير الأسمى لا يمكن تحققه على يد فرد واحد، بل لا بد أن يتعاون في سبيله أفراد كثيرون، ويترتب على هذا ان حب الانسان للإنسان هو أس الفضائل واول الواجبات، وبغيره لا يكون اجتماع، ولهذا فعلم الأخلاق لا تتم أركانه إلا والإنسان عضو في جماعة. وليست الصداقة ـ أي حبه الإنسان للإنسان ـ امتداداً لحب الإنسان لنفسه حتى يشمل غيرها، (كما قال أرسطو) بل هي تضييق لحب الذات، وعلى هذا فالفضائل إنما تظهر في مجتمع ولا تظهر في عزلة الراهب.

نعم قد يكون الراهب الناسك متدينا، لكن لايكون خلقيا في افعاله وهو منفرد، لان الاخلاقيات شرطها أن تكون ثمة صلة بينه وبين الآخرين. ولو فهمت الشريعة فهماً صحيحاً لكانت مذهباً خلقياً أساسه حب الإنسان للإنسان، فالدين كله رياضة للنفوس على الحد من ذواتها في سبيل الآخرين..! إذن فما سبق هو زبدة فلسفته الأخلاقية، ولكن ماذا عنه هو، عن شخصه وأطوار حياته؟! جاء في موسوعة أعلام الإسلام عنه: هو أحمد بن محمد بن يعقوب، الملقّب «مسكويه» ويطلق عليه اسم «أبي علي الخازن» وصاحب: «تراجم الأمم».

واختلف في اسم «مسِكويه»: هل هو لقبه، أو لقب جده؟ وتبعاً لذلك هو يكتب «ابن مسكويه» أو مسكويه فقط؟ والراجح أنه لقبه. وقد ولد عام 329هـ بالعراق. ويرى ياقوت أنه كان مجوسياً وأسلم، لأن والد مسكويه اسمه «محمد» كما ذكر هو في كتابه «تجارب الأمم»، ولا يعقل أنه قد غير اسمه واسم والده. وقد درس مسكويه التاريخ، وقرأ تاريخ الطبري على ابن كامل القاضي المتوفى عام 350هـ كما سمع منه الكثير. ودرس علوم الأوائل، خصوصاً على يد ابن الخمَّار الذي كان واسع الاطلاع بعلوم الأوائل، وبخاصة المنطق والطب والكيمياء، ومع هذا فإن مسكويه لم يكن ذا عقلية فلسفية، ولذا اتهم ـ زوراً ـ بأنه كان قاصر الفهم..

ونظراً لميول مسكويه إلى الكيمياء فقد اتهم باطلاً بأنه كان حريصاً على الدنيا وعلى طلب المال، وأنه كان بخيلاً وأنه كان منافقاً نظراً لتلعقه بذوي السلطان، ولكن كل هذه الاتهامات ـ هي أمور مكرورة ومعادة ومعهودة من الناس حسداً وحقداً لكل من شابه مسكويه من العلماء النابهين، بل إنها بذاتها برهان على نبوغه وسبقه..! وقد صحب مسكويه، أبا الفضل محمد بن العميد، الذي كان وزين ركن الدولة أبي الحسن بن بويه الديلمي والد عضد الدولة، واستمرت هذه الصحبة سبع سنين، لازمه فيها ليلاً ونهاراً، واتخذه ابن العميد خازناً لكتبه، فقام على ذلك العمل خير قيام، ومن هنا لقّب باسم «الخازن» أي خازن الكتب. كما استمر مسكويه يتنقل في خدمة بني بويه وتولى بعض المناصب الرفيعة لديهم وكان على صلة وثيقة ببهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن ركن الدولة، صاحب العراق وفارس المتوفى عام 403 هجرية.

وقد عمر مسكويه طويلاً، وتوفي بأصبهان في 9 صفر سنة 421هـ 16 فبراير سنة 1030 ميلادية، أي عن عمر قارب المئة عام.

كان مسكويه مشهوراً بالفضل والعلم والأدب والبلاغة والشعر. غير أنه في المسائل الأخلاقية كان يعلو كعبه، ويرتفع فيها اسمه. فلا يكاد يذكر مسكوية إلا وينصرف الذهن إلى جهوده وفلسفته الأخلاقية. وقد وضع في الأخلاق كتابه المشهور: (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق). وكذلك تكلّم في (الفوز الأصغر) على النواحي الأخلاقية. لكنه في (تهذيب الأخلاق): فصّل أصول الأخلاق، وضبط أنواعها، وميز حدودها، في عبارات علمية عالية، محكمة الصنع، دقيقة الوضع.

فلا غرو أن نقول إن مشروع النهضة لدى مسكويه هو «التربية الأخلاقية» والتي حشد لها كل طاقته، وركز عليها في مؤلفاته العامة والخاصة. لهذا فإنه تكلم عن الأخلاق من جهة أقسامها، ومن جهة إمكان تغيّرها وتبدّلها، ومن جهة فضائلها وطرقها وذلك في كتابه: «تهذيب الأخلاق»..! فمن حيث الأقسام يرى مسكويه أن الخلق ضربان؟: جبلي وكسبي.. فالجبلي: ما طبعت عليه النفس في أول الفطرة، وتركز في النفس وكان ملكة لها. وهذا الخلق الجبلي يجعل صاحبه يصدر الأفعال التي يقتضيها هذا الخلق من غير فكر أو توان أو تكلّف، وكأنه يملك صاحبه، ويدفعه إلى مقتضاه من غير اختيار أو روية. فالذي جبل على الكرم يدفعه هذا الخلق إلى مد يده بالإعطاء من غير تكّلف أو اختيار أو توان أو عناء..!

أما الخلق الكسبي فهو نتيجة مكتسبة من البيئة أو الدين، وهو في أول أمره يكون حالاً للنفس، فإذا مرن عليه صاحبه واعتاده، أصبح ملكة مركوزة في النفس تملك صاحبها، وتدفعه إلى العمل بسهولة ومن غير فكر وروية..! أما تغير الخلق وانتقاله: فهو في رأي مسكويه ممكن سواء أكان جبلياً أم كسبياً، وسواء أكان حالاً للنفس أم ملكة لها. فالذي فطر على الشح أو اكتسبه من البيئة، يمكن أن يتعود على الكرم والعطاء ببطء وبسرعة، كما يشهد بذلك الواقع في تربية الصبيان.

ولو لم يكن ذلك أمراً ممكناً، لما كان للقوة العاقلة معنى، ولبطلت القوانين، وترك الناس همجاً، ولما كان لتربية الناس من معنى.

فكما نشاهد من كان في صباه متصفاً بالرذيلة مذموماً، أصبح في شبابه متصفاً بالفضيلة محموداً. وان إنزال الكتب وإرسال الرسل بالشرائع والأديان، إنما هو لدعوة الناس إلى التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل. فلو كان ذلك أمراً غير ممكن، لبطلت الرسالات والأديان، ولما كان للموعظة والإرشاد أي معنى، بل لما كان للعقل الذي منحه الله للإنسان أي فائدة..!

اما من جهة فضائل الأخلاق: فإن مسكويه يرى أن الفضائل نوعان: 1. الفضيلة الفلسفية: هي الحكمة النظرية التي تناسب النفس الناطقة، فإن هذه النفس تتشوق بطبيعتها إلى المعارف والعلوم وتطلبها، لأن في ذلك كما لها. ومن العلوم أن مسكويه كان له اهتمام كبير بالحكمة وجمعها من حضارات الأمم العربية والإسلامية والفارسية والهندية والرومية، التماساً لتقويم النفس وسمو الأخلاق. 2. أما الفضائل الأخلاقية أو العلمية:

فتتكون من فضيلة الحكمة وفضيلة الشجاعة وفضيلة العفة وفضيلة العدالة. وينبغي أن يعلم أن للنفس ثلاث قوى: عاقلة وغضبية وشهوية. فالقوة العاقلة إذا اعتدلت نشأ عنها الفضيلة الأولى، وهي الحكمة التي هي وسط بين السفه والبله. واذا اعتدلت القوة الغضبية نشأ عنها الفضيلة الثانية وهي الشجاعة،التي هي وسط بين الجبن والتهور. وإذا اعتدلت القوة الشهوية نشأ عنها الفضيلة الثالثة، وهي العفة التي هي وسط بين الشره والجمود، ثم باعتدال هذه القوى الثلاث تنشأ الفضيلة الرابعة من مجموعها، وهي العدالة.

وتسمى تلك الفضائل الأربع، بالفضائل الأخلاقية أو العملية، وهي تجمع الفضائل المحمودة على وجه العموم، وتعتبر حداً فاصلاً بينها وبين الرذائل،إذ الرذيلة خروج عن الاعتدال: إما بالإفراط وإما بالتفريط، ولا يستكمل المرء الفضائل، إلا بالمعرفة والعمل، أي بمجموع الفضائل الفلسفية والعملية. وقد تحدث مسكويه عن تعهده بأن يتمسك هو شخصياً بهذه الفضائل، وأن يتجنب تلك التي ذكرها في وصيته التي كتبها في حجم صفحة ونشرت في مقدمة الترجمة له في أول الجزء الخامس من مؤلفه: «تجارب الأمم» طبع 1332ه، 1914م طبعة الكردي بمصر.

وقد يشتم هنا تأثر مسكويه بآراء أفلاطون وأرسطو، وهذا لا يعيب فكره في شيء، فليس هناك حضارة محض ابتكار. وحسبه أنه لم يناقض تعاليم الإسلام في تلك الجوانب الأخلاقية، فقد دعا القرآن الكريم إلى الاعتدال في كل شيء حتى في العبادة نفسها، كما في قوله تعالى: ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) الإسراء: 110، وفي قوله تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) الاسراء 29.

هذا وان حديث مسكويه عن الأخلاق وما ينتج عنها من فضائل ـ ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسعادة: ذلك أن السعادة في الدنيا ليست في اللذة الجسمية والمتاع الزائل والأموال والمناصب. والذين يتكالبون على اللذات الدنيوية ظناً منهم أنها السعادة، فإنما هم رعاع الجهال الذين تجردوا من حصافة العقل وأصالة الرأي، وأنهم تجافوا عن الصواب، وانزلقوا نحو الشقاء، لأنهم لم يدركوا أن سعادة الدنيا والآخرة إنما هي في اجتماع الحكمة النظرية والعملية.

وقد بعث الله ـ عز وجل ـ أنبياءه ورسله ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لدعوة الناس إلى الحكمة بقسميها النظري والعملي، أي لدعوة الناس إلى العلم والمعرفة والتخلق بالأخلاق الفاضلة، التي يصدر عنها الخير والأفعال الجميلة. واستكمالاً لمكارم الأخلاق وما تثمره من سعادة، ينبه مسكويه على أمر مهم، هو أن الله تعالى قد خلق الإنسان مدنيا بطبعه، أي إنه محتاج في معيشته وضروريات حياته وتمام بقائه إلى الاجتماع ببني نوعه، حتى تتحقق المعاونة والمساندة والمعاوضة بين الأفراد، وهذا من أهم الفوارق بين الإنسان والحيوان، فجزاه الله خيراً ورحمه رحمة واسعة.

بقلم/ علي عيد