كثر الحديث عن أسباب العلل التي تنخر في عظامنا، وكتب الكتاب وحرر المحررون كتابات تزن أطناناً من الحبر والورق، ولا حياة لمن تنادي، والأمة تنطلق بسرعة الضوء إلى الوراء، والمسألة كلها تختصر بكلمتين: حاميها حراميها. كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ولم يتحمل أحد منا مسؤولية واحدة عن رعيته، لا الأب ولا الأم ولا الشيخ في المسجد ولا المدارس ولا الكتاب والمفكرون ولا أهل الفن والمغنى ولا أصحاب النفوذ ولا أولي الأمر والنهي، فحدودنا على الأرض وفي الرأس والقلب وفي الثقافة والاقتصاد مفتوحة ومتاحة لكل غاز مع وجود من يفترض أنهم حماة لهذه الحدود، ولكنهم وبالمصادفة البحتة!! تحولوا معظمهم إلى متعاونين مع الغزاة ربما لقلة المروءة وربما لمعاهدات سرية مع الشيطان الرجيم.

وعلى فكرة لم يعد الشيطان في هذه الأيام رجيماً، فقد تصدر المجالس وفتحت له كل الأبواب والنوافذ ورحب به في البيوت والنوادي والمحافل، والجميع يضعونه على الرأس وينسون تاريخاً من الصراع معه بحجة المعاصرة والحداثة والتقدم والعولمة، وأنا أراهن كل واحد منا أن يدخل بيته ليرى آثار الشيطان وإنجازاته وقد توزعت في كل الغرف وتحت الوسائد وعبر نوافذ الإعلام المرئي والمكتوب. في زماننا هذا لم تعد الشياطين تشكو من ضيق الوقت لغلبة الطالح على الصالح، ولأن أكثرنا قد ختم الشيطان على قلبه وانتهى منه ومن أمره، حتى جاز القول أننا نعيش في عصر الشيطان بكل شرف وامتياز.

ليبدأ كل منا من نفسه، ومن بيته ومن زوجته ومن أولاده، فنحن أول الحرامية والسارقين، ولا يحتاج الأمر إلى كثير حديث عن أميركا وإسرائيل والرأسمالية والامبريالية، فهل تحمل الرجال فينا مسؤولية التربية والفصل القاطع بين الحلال والحرام؟ بين الخير والشر؟ وهل تحرينا جميعاً الحلال في كسب الرزق وفي إطعام أهلينا وعيالنا منه؟ وهل قدمنا لهم القدوات الحسنة والأسوات الخيرة؟ وهل سهرنا على تغذية عقولهم وقلوبهم بالأفكار العظيمة والعزائم الكريمة؟ هل عرفناهم بربهم وبرسولهم وبالرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الصحابة والتابعين والقادة والفاتحين؟

الإجابة أكثر من مخزية ومؤلمة، فتربيتنا هزل بهزل، وكسبنا حرام، ونحن أسوأ من أن يقتدي بنا أهلونا، أكبر همنا أن نغذي أجسادهم ونسينا أنهم بشر وأن مسؤوليتهم في أعناقنا، فلم نهتم بعقولهم وقلوبهم وأرواحهم ولم نعرفهم بدينهم وبأبطال تاريخهم، فضلاً عن أننا فتحنا الأبواب لثقافة الاستهلاك والإباحية، حتى زاحم ميكي ماوس وتيمون وبومبا في عقول أولادنا نماذج كالصديق والفاروق، وحتى حفظ مراهقونا أغاني قطيع الساقطين والساقطات أكثر من حفظهم لآيات من القرآن الكريم.

والنساء: فريق سار وراء المجد الشخصي والانجاز الذاتي والاستقلال المالي بعد أن وسوس من وسوس في آذانهن أن الرجال لا يستحقون الثقة وأنهم يشترون طاعة زوجاتهن بحفنة من المال، فتركوا الأولاد للخدم أو للتلفزيون والألعاب الالكترونية أو للرياض التي هي أشبه بالمحاضن والمداجن أو للشوارع وما فيها من مصائب، وفريق آخر انساق وراء الاستهلاك وحمى التسوق والحمامات المغربية والتركية والمجالس الصباحية والمسائية والقيل والقال مع الصديقات وعلى الهاتف، فلا مجلس علم ولا ساعة ذكر ولا قراءة كتاب ولا تصفح لصحيفة، اللهم إلا مطالعة مجلات الأزياء وكتب الطبخ، والأولاد بين مدارس لا تحسن التربية وخدم الأصل أنهن للطبخ وتنظيف البيوت فإذا بهن يتحولن بكسل وتراخي الأمهات إلى مربيات فاضلات؟!

بعض القائمون على الإعلام يقدمون السموم بحجة العرف فإذا بهم يطعنوننا في مقتل في خاصرة بيوتنا وأطفالنا، والمدارس تحولت إلى مشاريع ربحية، وأصحاب الأعمال والشركات اكتفوا بمراعاة الموانع القانونية ولم يبالوا بالموانع الأخلاقية والدينية في أحسن الأحوال، والسياسيون اكتفوا بفن الممكن دون اهتمام بفن الواجب، وحماة الديار في أكثر بلاد العرب مشغولون بكرة القدم وورق اللعب. الجامعات تدرس مناهج مؤلفة من أربعين عاما، والمدارس تعتمد مناهج تجر عقول الأطفال إلى الوراء، والمساجد أغلقت لتجفيف منابع الإرهاب، والرأي العام مفهوم غامض لم يفهمه أحد منا ولم يسع أحد إلى تشكيله، فهو لم يكن يوماً موجوداً ولن يوجد على المدى المنظور.

انشغلنا بعبادة الأشخاص وبعبادة الأفكار وأخيراً بعبادة العورات والسوءات... وكله عادي ولا تعقدوا الأمور و«خليك فريش» على رأي محمد هنيدي، ذوات متضخمة، وأنانيات متورمة، وأفراد ومؤسسات وشعوب وأمم تعيش على الديون والمساعدات مع إهمال الإمكانات وهدر الواردات، «وأهي ماشية» على رأي إخواننا المصريين.

ماهر سقا أميني