يأتي شهر رمضان وتتفتح بصيرة المسلم ويشرح الله صدره لعمل الخير، وترك ما يغضب المولى عز وجل، طمعاً في رحمته ومغفرته في هذا الشهر الفضيل، الذي يفتح الله فيه على عبده الخطاء ويصير من خيرة الناس الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الخطائين التوابون». فهنيئاً للتائب بشهر رمضان الذي يعتبر فرصة طيبة لتطهير النفس من أدران المعصية، والإقبال على الله بقلب سليم كي يسعد مع بقية إخوانه المسلمين الصائمين بتلكم اللحظات الطيبة المباركة، ويتمتع بما فيها من تجليات ونفحات. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أخطأتم حتى تبلغ ذنوبكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم. (رواه ابن ماجة).

وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة. رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. وروي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إِذا كَان أَول لَيلَة من شَهر رمضان صفِّدت الشياطين ، ومردة الْجِن ، وغلِّقَت أَبواب النارِ ، فَلَم يفْتَح منها باب ، وفتحت أَبواب الْجنة ، فَلَم يغلَق منها باب ، وينادي مناد : يا باغي الْخيِر أَقْبِل ، ويا باغي الشّر أَقْصر ، ولِلَه عتَقَاء من النَار ، وذَلك كل لَيلَة » ويمكن للعبد أن، يحظى بهذا الرضوان الإلهي ويسعد في حياته إذا تخلى عن رذائله وأقبل على الطاعات وأنفق من حر ماله على الفقراء والمساكين وسعى في قضاء حوائج الناس على قدر طاقته ولا يبخل بالنصيحة على أحد بغية هداية الآخرين إلى طريق الخير والفلاح.

روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من يوم طلعت شمسه إلا وكان بجنبيها ملكان يناديان نداءً يسمعه ما خلق الله كلهم غير الثقلين! يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا وكان بجنبيها ملكان يناديان نداءً يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً. ومن سعادة المسلم أن الله سبحانه وتعالى رحيم بالتائبين، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يجعلهم يسارعون في العودة إليه والندم على ما فعلوه، لأن الندم توبة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

جاء في الآثار عن سعيد بن المسيب انه قال في قوله تعالى: (فإنه كان للأوابين غفوراً) الإسراء. في الرجل يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: من ذكر خطيئته ألم بها فوجل منها قلبه، محيت عنه في أم الكتاب. وقال عمر رضي الله عنه: اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة. يا لها من سعادة حقيقية حين يعرف العبد هذا القدر من النفحات وهذا التقدير للمذنب العائد إلى ربه، ورمضان فرصة طيبة لتلك العودة. روى عن أبي بكر الواسطي انه قال: التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث خصال: عند وقت الصلاة، وعند دفن الميت والتوبة عن المعصية.

وقال بعض الحكماء إنما تعرف توبة الرجل في أربعة أشياء: احداها أن يمسك لسانه من الفضول والغيبة والكذب والثاني أن لا يرى لأحد في قلبه حسداً ولا عداوة. والثالث: أن يفارق أصحاب السوء. والرابع أن يكون مستعداً للموت نادماً مستغفراً لما سلف من ذنوبه مجتهداً على طاعة ربه. يقول الحق تبارك وتعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) الشورى: 25. ومن رحمة الله تعالى بعباده التائبين أنه سماهم مؤمنين بعدما أذنبوا فقال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون) وأحبهم بعد التوبة فقال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين). قال الحافظ ابن الفرضي (أبو الوليد، عبدالله بن محمد الأزدي الفرضي) قال في شعر له تحت عنوان أسير الخطايا عند بابك واقف:

أسير الخطايا عند بابك واقف

على وجل مما به أنت عارف

يخاف ذنوباً لم يغب عنك غيبها

ويرجوك فيها وهو راج وخائف

ومن ذا الذي يرجى سواك ويتقي

ومالك في فصل القضاء مخالف

يا سيدي لا تخزني في صحيفتي

إذا نشرت يوم الحساب الصحائف

المسلم التائب يشعر بالرضا عن نفسه عندما يداوم على حضور مجالس العلم في شهر رمضان والاستماع إلى ما قيل عن فضل التائب وكيف أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده المسلم. روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله بأرض فلاة» (أي وقع عليه وصادفه) (رواه البخاري ومسلم).

وجاءت البشرى للتائبين في هذا الحديث القدسي الذي روى عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: )«يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة». (رواه الترمذي وقال حديث حسن). قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) سورة الزمر: 53.

روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: خرجت يوماً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا علي كل هم ينقطع إلا هم أهل النار فإنه لا ينقطع، وكل سرور ونعمة تزول إلا سرور أهل الجنة ونعيمهم فإنه لا يزول، يا علي إذا أذنبت ذنباً فلا تؤخر التوبة إلى الغد، فإن إلى الغد مسافة بعيدة، وهي مضي يوم وليلة وعسى أن لا تدرك الغد فتتوب» (ذكره السيوطي في جامع المسانيد). وقد قيل: ما من ليلة إلا وتشرف البحار على الخلائق فتنادي يا رب ائذن لنا أن نغرق الخاطئين، فيقول الله عز وجل: إن كان العبيد عبيدكم فافعلوا بهم ما شئتم، وإن كانوا عبيدي فدعوهم، فإذا مل عبدي من المعصية وأتى بابي قبلته، وإن أتاني في جوف الليل قبلته أو في النهار قبلته فليس على بابي حاجب ولا بواب، متى قال: رب أسأت أقول: عبدي غفرت.

اللهم بالصوم اغفر لنا ذنوبنا، وأعنا على أنفسنا حتى نعيش هذا الشهر وأنت راضٍ عنا، اللهم أعنا على أن نكون أوفياء لمن حولنا من الأهل والجيران، واجعلنا يا رب نتقارب مع بعضنا، ويعطف الكبير على الصغير ويحترم الصغير الكبير، واملأ قلوبنا بالحب لكل إنسان يدعو ويحافظ على دين الإسلام، اللهم زين أخلاقنا بالتقوى، وحلنا بالحلم وجملنا بالعافية وأبعد عنا الهموم والأحزان بحولك وقوتك يا رحمن. اللهم رب رمضان ورب الشهور كلها صل على محمد وآل محمد واقسم لنا فيه أفضل ما تعطي عبادك المقربين من الرحمة والمغفرة والمعافاة الدائمة، والعتق من النار والفوز بالجنة برحمتك يا أرحم الراحمين يا الله.

حامد واكد