صفاء العمل ونقاؤه من الرياء، فالإخلاص هو أن يراد بالعمل وجه الله سبحانه لا غيره وهو أحد شروط قبول العمل ولا تصح العبادة إلا به قال تعالى «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة» فالحنفية السمحة تتمايز عن غيرها بعقائدها وسلوكها وإخلاصها.

الإخلاص فيه البعد عن الأغراض الدنيوية كلها في العلاقة مع الله، وإيفاء العبودية حقها، وعدم رؤية الخلق في أعمال العبد وقيامه بها على أساس عرضها على الناقد البصير الغني عن شرك الشركاء القائل سبحانه في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك»، فيدرك بذلك العبد بطلان العمل وردّه وعدم قبوله إذا خلص من الإخلاص وشابه الرياء مما يتحقق فيه قول العدل سبحانه الواحد الذي لا شريك له: «وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباء منثوراً».

وعلى هذا الأساس كان الإخلاص خلوصاً عن الشرك وتحقيقاً للتوحيد، ذلك الشرك الذي خشيه النبي علينا وعبر عنه بالشرك الأصغر المحبط للعمل الذي هو لص غاية في المهارة والدهاء والتسلل إلى النفوس في خفاء وخفة وخفية تفوق خفية دبيب النمل، قال صلى الله عليه وسلم}: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا: هل تجدون عندهم الجزاء؟ «ومن هذا المنطلق علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الدعاء ما يدفعون به هذا الشرك ويتعوذون بالواحد الذي لا شريك له منه فكان يقول: «اللهم إني اعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم».

الإخلاص منبع من منابع قوة إيمان المؤمن المتغلغل في نفسه الضارب في أعماقها الساكن فؤادها لأنه يدرك ـ أي المؤمن ـ أن ذرة من عمل خالص أفضل عند الله من أطنان من الأعمال المشوبة، وهو ـ أي الأخلاص ـ عمل قلبي حيث ان ثواب الأعمال يكون بما انعقد عليه القلب من إخلاص وحسن نية وفي ذلك يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»

ولذلك كان الاعتناء بالقلب وإصلاحه مقدماً، على إصلاح الاعضاء والجوارح لأنها تتبع أمره ونهيه لانها مسودة وهو السيد وتابعة وهو المتبوع وجند وهو القائد فكان الأولى اصلاح المتبوع القائد الذي بصلاحه يصلح الجسد كله وبفساده يفسد الجسد كله، ومن ثم كان الإخلاص وثيقة اعتماد يمنحها الله القلوب الطاهرة النقية وعلامة جودة وماركة مسجلة تجعل القليل كثيراً والضحك عميقاً وما هو محدود من الطاعات غير محدود،

وليست أدل على تكثير الإخلاص العمل القليل وتعميق الضحك ان صلاح النية يمنح صاحبه أجر العمل إن حال دونه حائل فعن أبي عبدالله الانصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: «ان بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض» وفي رواية «إلا شركوكم في الأجر» ياالله انظر إلى هذه القوة الخفية السحرية للإخلاص.. تلك القوة التي منحتهم الأجر ـ أجر الجهاد في سبيل الله ومشقته والسير إليه وما فيه من تضحية بالنفس وبذل الجهد والمال ـ دون الخروج الفعلي للغزو،

ومثل هذا حدث في غزوة تبوك فعن أنس رضي الله عنه قال: «رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم العذر» فمن صحت نيته من ذوي الأعذار وأولي الضرر بلغ أجر المجاهدين، فما أوسع رحمة رب العالمين الرحيم الذي جعل صدق النية مرقاة يرقى بها صاحبها لنيل الأجر مهما عظم الأجر حتى الشهادة في سبيل الله، فقد أخبر النبي المبعوث رحمة للعالمين الصادق المصدوق ان من طلب الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه.

إذا كان العمل جسداً فروحه الإخلاص ولا جسد بلا روح يعد حيا، وإذا كان العمل جناحاً يبلغ صاحب الجنة ويرقى به في درجاتها فالإخلاص هو الجناح الآخر ولن يصل صاحب العمل بجناح واحد لأنه يستحيل به الطيران والارتقاء فلابد من جناح الإخلاص إلى جانب العمل ليطير بصاحبهما ويرقيا به حيث النعيم المقيم ولن يتحقق ذلك الإصلاح النية التي عليها يبني العمل يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى آلله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

وبقليل من الجهد في استقراء أحوال العباد والصالحين نجد الإخلاص يملأ أعمالهم فقد أبعدوا كل شائبة عن العمل ونسوا كل الحظوظ المادية والمعنوية لما عدا الله واستوى عندهم المدح والذم من البشر لأنهم لا يهتمون بهم ولكن غايتهم رب البشر، بل يخشون مدح البشر. وكانوا يخفون أعمالهم اخلاصاً لله فهذا تلميذ المنصور بن المعتمر السلمي الكوفي يقول عنه «إنه صام أربعين سنة وقام ليلها وكان يبكي الله كله فإذا أصبح كحل عينيه وبرق شفتيه ودهن رأسه؟ فتقول له أمه: أقتلت قتيلاً!! من كثرة بكائه وعبادته فيقول: أنا أعلم بما صنعت نفسي!! وكان قد عمش من البكاء».

محمد علي الأطرش