صدر لعلال الفاسي ديوان من أربعة أجزاء اجتمعت فيه منظوماته الشعرية على امتداد حياته في الوطن (المغرب) وفي المُغترب القسري (في بلاد متعددة). وفي هذا الشعر تسجيل مباشر، وغير مباشر لجوانب من مجريات حياته، واتصالاته مع الناس حيث كان. وهو علاّل (أو محمد علاّل) بن عبدالواحد بن عبدالسلام المجذوب الفاسي الفهري. وصفه في الأعلام بأنه زعيم وطني، من كبار الخطباء العلماء في المغرب.
درس في المغرب واشتغل بالتعليم. ونبغ اسم علاّل حين بدأ يشارك في الأعمال الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، واحتمل منهم تحديد الإقامة، والإقالة من الوظيفة، والإبعاد عن الوطن «وقد طال إبعاده سنوات عديدة». وشارك في العمل النقابي، وانخرط في العمل السياسي وتدرّج حتى صار الرجل الأول في حزب الاستقلال المغربي. وقد تولّى منصب وزير الشؤون الإسلامية مدّة، ثم انصرف إلى المعارضة غير العنيفة في مجلس النواب. وإضافة إلى الديوان ترك علال الفاسي عدداً من المؤلفات في الشريعة، والسياسة والتأمّل الذاتي. ومن شعره بيتٌ مفرد عنوانه «رسمي» قال فيه:
انظر لرسمي فإني ذلك الرجل
ترى الذكاء من العينين يشتعلُ
وهذه الصورة النفسية التي يرسمها لنفسه من خلال هذا البيت الذي يعلّق به على صورته هي إشارة دليل على نماذج كثيرة في ديوانه تُفِصْحُ عن ظهور الشخصية، وارتقاء «الأنا» مرتقى عالياً. ـ في قطعة عنوانها «فأنا الفقيه» قال:
ورشَاً يناديني الفقيهَ تدلّلاً
إنْ رام كفّي خَلسَة من وِرْدهِ
صَدق الرّشا فأنا الفقيه بحُسنهِ
فلذاك همتُ بخصره وبقدّه
ـ ونظم قطعة من الشعر لتكتب أو تنقش على جدار غرفة الضيافة وهي:
الله أكبر والإنسانُ آيَتُهُ
سبحانه علمَ الإنسانَ تبيانا
فانظر لما صنع الإنسان من عَجبٍ
ومن جمال على الرحمان برهانا
وشاهد الفن واخلص من ورائية
إلى معانٍ تزيدُ النفس عرفانا
وامرح ببيتك مسروراً ببهجته
وأحمدْ إلهك إذْ أولاك إحسانا
وقل لضيفٍ أتانا زائراً كرماً
أهلاً وسهلاً وترحاباً بمن جانا
هنا الضيافة مكمول جوانبها
حسّاً ومعنيً وأفراحاً وسلوانا
عطاء رَبّك ممدود لطالبه
فالله يسعد دنيانا وأخرانا
ـ وورد في الديوان بيتان عنوانهما: على ظهر صورة مع بعض الأحبّة، وهما:
رسومُ الأحبّة ذكرى لهم
وذكرى الأحبّة عهدٌ صحيحْ
وها قد عَقدنا على وُدّنا
برسم عهودٍ تواسي الجريحْ!
ربط بين الرسم الذي هو الصورة، ورسم العهود الذي هو الارتباط بين طرفين بالمودة والمحبة. ـ وهناك نصّ آخر من خَمْسة أبيات مؤرخ بسنة 1945، وسمى الصورة «ظلاًّ» وأظنه مبتدئ هذه التسمية، قال:
بعثتُ بظلّي للعزيزة كي ترى
«بممدودة» ما مثّلته صفاتُها
وما أنا إلاّ نسخةٌ هي أصلُها
ورَوْسَمُ ما استوحَتْهُ مُرْتَسماتُها
وإن كان حبّ النفس للنفس ينجلي
بمرآه ذكراها فهاذي حياتُها
وأمّا الذي لي فيك أنت «بُنيّتي»
فأسرار روحٍ لا تؤدّى لُغَاتها
وكل رجائي أن تعيشي فتدركي
معاني في أبنائها كلماتُها
ـ وذكر آلة التصوير باسمها الأجنبي (الفوتوغراف)، فقال تحت عنوان (نظرة):
آهٍ لها نظرةً في ظبية ملكت
لُبّي بخدٍّ كبلّورٍ وأَصْدافِ
تصوْرت بفؤادي مذ بصرت بها
ما كنت أحسب قلبي كالفوتوغرافِ
لقد صار قلبه آلة تصوير لاقطة التقطت صورتها، فاستقرت فيه! وقد سمّى الصورة في القطعة السابقة: ظلاً، ولعلّها من اختراعه وسبقه في المعنى.
