لأهمية العلم وكفالة حقه في الإسلام نجد الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على طلب العلم وفضل الرحلة إلى هذا الطلب. قال تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» سورة التوبة ـ الآية 122 ولأن الإسلام عني كل هذه العناية بالعلم نجد في تاريخنا الإسلامي هذا الكم الهائل من العلماء الكبار الذين شهد لهم العالم بالتفوق والريادة في شتى مجالات العلوم الإنسانية وكان أثرهم واضحاً على الحضارة الغربية التي كانت في أحط مستوياتها، أما لماذا صعدوا وتخلفنا فلأننا ما عدنا نعني بالعلوم عنايتهم بها فتفوقوا بذلك علينا.

ونقرأ في الأثر، سئل عبدالله بن المبارك: من الناس؟ فقال: هم العلماء، ويشرح الإمام أبو حامد الغزالي ذلك فيقول: لم يجعل ـ أي ابن المبارك ـ غير العالم من الناس، لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هي العلم فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، ولا بضخامة جسمه، فإن الفيل أضخم منه، ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله فان الثور أوسع بطناً منه، بل لم يخلق إلا للعلم. إن مجتمعاتنا الإسلامية لكي تنهض فتلحق بالركب يلزمها الاهتمام بأمر العلم في جوانبه كافة وليس مجرد أن أبلغ في التعليم أعلى سلم فيه ولكن المطلوب ان اتخصص في علم من علوم العصر التي تجعلنا لا نحتاج لغيرنا، وعلينا أن نتنافس في ذلك.

ومما يؤسف له أن لدينا علماء بلغوا شأواً بعيداً في مجالات التخصصات النادرة من العلوم ولكن فكرهم وما حصلوا عليه من علوم أفاد منها الغرب بإمكانياته الجاذبة لهم مادياً مع أن عالم الإسلام يزخر بمثل هذه الإمكانيات وما الأمر إلا عدم الاهتمام بمثل هذه الكوادر العلمية ونظرتنا إليهم كنظرنا إلى أي أمر عادي كأن الأمر لا يعنينا في شيء، بل ليت هذا فحسب، بل إن عقولنا العلمية المهاجرة عن أوطانها ما فعلت ذلك إلا لأنها وجدت الازدراء والسخرية والنقد الجارح لها، أي نعم وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان كثيراً من شبابنا الذين لهم طموحات لبلوغ درجات أعلى في مراقي التخصصات العلمية لا يجدون التشجيع الذي يحفزهم على بلوغ ذلك مع حاجتنا إلى هذه التخصصات. تحضرني مقولة للشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ طالعتها في أحد مؤلفاته القيمة التي تخدم الإسلام والمسلمين جاء فيها أن فتى سأله: إذا كان الإمام يخطب يوم الجمعة هل أصلي ركعتي تحية المسجد أم لا؟

فما كان من الشيخ إلا أن سأله بدوره: ماذا تعمل يا فتى؟ فذكر له أنه صيدلاني، فقال له: يا بني اذهب وأدرس علوم الدواء وتركيبه لأن بلادنا في حاجة إلى مثل هذه الصناعة فديارنا تستورد الدواء من الخارج إلا القليل، وحتى هذا القليل الذي يصنع في الداخل يصنع على أيدي اختصاصيين أجانب، ثم بعد ذلك صلي تحية المسجد يا بني أو أتركها فالأمر لا يفرق فرقة حاجتنا إلى تصنيع الدواء. وما ذكره الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ لذلك الفتى ينطبق على كثير من أوجه العلوم التي من شأنها أن تمهد الطريق إلى النهضة والتقدم.

العلم الفرض

يقول علماؤنا هناك علم مفروض فرض عين، بمعنى أنه يستوجب على كل فرد في الأمة تعلمه ولا يعذر أحد في الجهل به. يقول الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ «هذا النوع هو ما يحتاج إليه الإنسان في إقامة دينه وقبول عمله عند الله تعالى، واستقامة معاملته ومعاشرته للناس، ينطوي ويندرج تحت ذلك تعلم أحكام العبادات وتعلم أحكام المعاملات لمن يمارسها، وكذا أهل الحرف (المهن) وقالوا: إن كل من اشتغل بشيء يفرض عليه علمه.

ومن العلوم التي هي فرض كفاية بمعنى أن يقوم بها البعض دون البعض الآخر، تعلم الصناعات التي يحتاج إليها الناس ـ وقد سبقت الإشارة إليها كعلوم الطب والصيدلة وما إلى ذلك، والعلوم المهنية من حياكة ونجارة وحدادة وغير ذلك من المهن فليس ضرورياً أن يكون كل الناس حرفيين، فالبعض ممن تعلموا ذلك يؤدون خدماتهم للآخرين.

هذان هما الفرضان، فرض عين وفرض كفاية وهناك ما عداهما وهو ما يطلق عليه العلم المندوب والمباح، وهو ما يمكن أن يزاد على فرض العين إذا كان بالاستطاعة التوسع في ذلك، كتعلم ما زاد عن الفرض العين في شؤون الدين، أو تعلم ما قام به غيره من فروض الكفاية، فذلك مندوب وكالتوسع في الثقافة من مختلف العلوم فذلك مباح، وإذا اقترنت به نية التقرب إلى الله أو خدمة المجتمع فهو مندوب (انظر التكافل الاجتماعي في الإسلام للدكتور مصطفى السباعي طبعة دار الوراق ص: 107).

ولشرف العلم قال العلماء المحققون في ذلك: من اشترط الكفاءة بين الزوجين (يعني عند المصاهرة) فإن العالم كفؤ لمن هي أعلى منه نسباً، بمعنى أنه إن أتانا عالم له مكانته العلمية المرموقة يخطب من هي ذات حسب ونسب رفيع وهو لا يتمتع بأقل القليل مما لديها يكفيه علمه يرفعه إلى مقام حسبها ونسبها الرفيع فلا نتردد في تزويجه غاضين الطرف عما سوى علمه، وهذا هو شرف العلم في الإسلام.

إن العلم أمره في الإسلام عظيم وهو حق عميم لا ينبغي أن يقتصر على طبقات من المجتمع دون أخرى، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، لقد كانت حلقات العلم تعج بطلابه في المساجد وفي المكتبات العامة، وكان العلماء لهم شأن أي شأن ويكفي أن التابعي الجليل سعيد بن المسيب زوج ابنته لتلميذه الفقير ولم يزوجها لابن الخليفة الأمير.