أحمد محمد الياس، فنان تشكيلي سوري درس العمارة الداخلية (الديكور) في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لكنه توجه كلياً لإنتاج لوحة حروفيّة زخرفية، تتناغم فيها الحروف وترقص، تماماً كالموسيقى. ولد في بلدة (دير عطية) بريف دمشق عام 1954. أقام العديد من المعارض الفردية، وشارك في العديد من المعارض الداخلية والخارجية، وهو أحد الرموز البارزة في التشكيل السوري الحديث، التي تعمل على الاتجاه الحروفي. والفنان الياس يستخدم شتى التقانات اللونية في تنفيذ منجزه البصري، إضافة إلى طريقة التلصيق (الكولاج) ولوحته عموماً، تقوم بكاملها على المعطيات التشكيلية الفريدة، للزخرفة والخط العربي،
وقد شهدت تجربته في هذا الحقل، تطورات متلاحقة، ولا تزال تعيش حالة دائمة من البحث والتجريب حتى الآن، إنما ضمن نفس التوجه القائم على المزاوجة الموفقة، بين لغة التصوير الحديث، والمعطيات التشكيلية الفريدة، للخط العربي، إضافة إلى الزخرفة. لناحية الموضوع والهدف، تصب جهود الفنان أحمد الياس في التيار المتنامي للتجارب الفنية الحروفية الزخرفية في حيواتنا التشكيلية العربية والإسلامية، والذي يرفع شعار الجمع المتوافق والمنسجم، بين التراث والمعاصرة، وتأكيد الهوية القومية المتميزة للفن التشكيلي العربي والإسلامي المعاصرين. أما لناحية المعالجة وصياغة اللوحة، فإن تجربة الفنان الياس يمكن تصنيفها في ثلاثة اتجاهات:
ـ الاتجاه الأول: وفيه قدم مجموعة من التجارب الأولى المشغولة على عجل، دون أن تأخذ حقها من الإعداد والدراسة والبحث، والاهتمام الكافي، ببنية العمل التشكيلية، وإنما كان جل اهتمام الفنان فيها، منصباً على تأكيد نوع من الالتزام بقضايا راهنة، ما جعله يولي الاهتمام للمضمون أكثر من الشكل الذي جاء مفكك العناصر، وغير متوافق كبناء حروفي أو زخرفي، أو كألوان وتكوين.
ـ الاتجاه الثاني: وفيه قدم مجموعة تجارب، حشد فيها مجموعة كبيرة من الزخارف والخطوط والحروف ضمن تكوين ضعيف الحضور، باهت ومشوش.
ـ الاتجاه الثالث: ويمثل أفضل إنجازاته الحروفية، حيث يتواكب في أعمال هذا الاتجاه، البناء التشكيلي والتعبيري للعناصر والمفردات المستخدمة في اللوحة، حيث توقف الفنان أحمد الياس مطولاً، عند انتخابه للزخارف والخطوط والحروف ونوعية الورق والألوان، وأخضعها جميعها، لحالة متميزة من الانسجام والتوافق، ثم قام بتوظيفها ضمن تكوين قوي، متماسك، تتسلل إليه العين وتلتقطه بسهولة ويسر. غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في أعماله الأخيرة، الروحية الصوفيّة الخاصة التي تفرزها عناصرها وألوانها القائمة على اللون الواحد وتدرجاته، كالأزرق أو البني المعتق،
وهذه الروحية تحديداً، يستشفها كل متأمل للفن العربي الإسلامي، والقادمة من إيمان الفنان المسلم وتلاشيه الكلي في أدوات تعبيره والغاية البعيدة لما ينتجه. بعد مرحلة طويلة من البحث والتجريب والإنتاج، وصلت لوحة الفنان أحمد الياس إلى صيغة جديدة ترفل بالصوفية المؤداة من قبل لون هادئ ومُعبّر، أما الحرف العربي فقد كان يحضر ويغيب في تجاربه السابقة، وفق متطلبات التكوين، مُشكلاً بذلك عنصراً في نسيجه، يغنيه ويحركه، دون أن يطغى عليه.
وبالتدريج تحول الحرف العربي في لوحته إلى نغمة في لحن اللوحة العام المؤدى من قبل اللون والرسم والقطع التكويني والتدرج المسحوي والعناصر التشكيلية الأخرى. ثم انتقل الفنان الياس لإنتاج لوحة تجريدية فنيّة معبّرة، موشاة بالحرف، ومطرزة بالكلمة، وهي لوحة باتت تحتضن اليوم خبرات فنية وتقانية وجمالية عالية، بلورتها التجربة، وأنضجها الإنتاج المتواصل.
د. محمود شاهين

