الكتاب الذي بين أيدينا من شوامخ الفكر الإسلامي يتناول في خمسة مباحث رئيسية حياة ابن تيمية وأخلاقه وإيثاره وحلمه وتسامحه وزهده وتعبده، وشجاعته، ولماذا نسب إلى اسم والدته «تيمية» ويعرض لمنهج ابن تيمية في التفسير، وهو منهج النصيين الذين ابتعدوا تماما عن كل تأويل منحرف، وكيف استخدم ابن تيمية تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة النبوية المطهرة، أو عن طريق اللغة، و يعرض المؤلف لابن تيمية وموقفه من التأويل لآيات الصفات، والأحاديث الواردة فيها،

وكيف يستوي الله على العرش وكيف ينزل ربنا تعالى إلى السماء الدنيا، وفي المبحث الرابع يتناول المؤلف قضية خلق القرآن ورأي ابن تيمية فيها، ويطرح المؤلف فتاوى وآراء ابن تيمية في مسألة زيارة القبور وعدم جواز بناء المساجد على القبور والتوسل المشروع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوسل غير المشروع والتوسل الممنوع. ويتناول المؤلف في المبحث الأول تعريف تاريخ ابن تيمية وأخلاقه قائلاً: هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن شهاب بن شيخ الإسلام مجدد الدين أبي البركات عبدالسلام ابن تيمية الحنبلي،

ولد يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول سنة 661 هـ وذكر في تسميته أن محمداً كانت أمه تسمى «تيمية» وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها، وتوفي سنة 928 هـ في سجنه بقلعة دمشق، وقال عنه ابن عساكر الكتبي في «فوات الوفيات» شيخنا الإمام هو إمام الأئمة مفتي الأمة وبحر العلوم، سيد الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، قدوة الأنام علامة الزمان وترجمان القرآن، آخر المجتهدين نزيل دمشق وصاحب التصانيف التي لم يسبق إليها مثيل.. من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين والزهاد، والشجعان الكبار والكرماء الأجواد، اثنى عليه الموافق والمخالف،

وسارت بتصانيفه الركبان ولعلها ثلاثة مئة مجلد، وكان الشيخ منذ صغره تبدو عليه ملامح الفطنة والذكاء، وكان في صغره إذا أراد المضي إلى المكتب يعترضه يهودي بمسائل يسأل عنها وكان ابن تيمية يجيلبه عنها سريعاً حتي تعجب منه الرجل وإنه صار كلما اجتاز كان اليهودي يخبره بأشياء مما يدل على بطلان ما هو عليه، فلم يلبث أن أسلم وحسن إسلامه وكان ان تيمية صاحب عقلية سريعة الفهم والحفظ، لحفظه أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم في سن مبكرة والحقيقة كما يؤكد المؤلف أنه كان عجيبة من العجائب في سرعة الحفظ.

مشيرا إلى أنه مع فقره الشديد إلا أنه كان كثير الإيثار فكان يتصدق حتى إلا لم يجد شيئا نزع بعض ثيابه مما يحتاج إليه فيصل به الفقير، مثالا للعابد المتبتل، كما يعد رأسا من رؤوس الزهد في تاريخ الإسلام،وذلك لرفضه لفضول الدنيا، كما كان زاهداً في مناصبها، حريصا على طلب الدار الآخرة، وفي نفس الوقت كان جريئا في دين الله تعالي لا يخشى في الحق لومه لائم. ويعتبر ابن تيمية أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين هم أعلم الأمة بالتفسير، لأنهم الذين شاهدوا رسول الله صلي الله عليه وسلم، ونقلوا عنه، وبما اختصوا به من الفهم الصحيح والعمل الصالح، لاسيما كبار علمائهم كالخلفاء الراشدين الأربعة والأئمة المهديين كعبدالله بن مسعود وترجمان القرآن عبدالله بن عباس،

ويري المؤلف أن هناك عدداً من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم وهبهم الله فهماً في القرآن، ومعرفة بأسباب النزول، من أبرزهم ابن مسعود الذي كان يقول: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله من تناله المطايا لأتيته. مذهب أهل السنة كما أوضح ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات حين قال أن أهل السنة والجماعة في الإسلام هم وسط في باب صفات الله عز وجل بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل، ويصفون الله بما وصف به نفسه،

وبما وصفه رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، ولقد سمي الله نفسه بأسماء وسمي صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به، إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره. ويرى المؤلف أننا نجد في القرآن عددا من الآيات يصف الله تعالي بها نفسه بالعلو والاستواء على العرش والفوقية، فالله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى وهو فوق العرش وفوق السماء، وهو على كل شيء قدير، ويؤكد ذلك معراج الرسول صلي الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالي، والحقيقة أنه ليس هناك في العقل ولاقي النقل ما ينافى وما يناقض وصفه تعالي بالعلو والفوقية. ويقول ابن تيمية إن توحيد الله في ذاته أمر لا يختلف عليه أهل الإسلام جميعاً،

وكذا فإن المسلمين يقرون لله بالوحدانية في أفعاله تعالي، وتقتضي الوحدانية في العبادة أن لا يعبد إلا الله وحده، وأن نعبده بما شرعه سبحانه وتعالى على لسان رسله وأن نكون مخلصين في عبادتنا لله تعالى». خلق القرآن ويقول شيخنا في هذه القضية التي شغلت بال الكثيرين من الأقدمين والمعاصرين «من جعل كلامه مخلوقاً لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسي «إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري، وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاماً إلا لرب العالمين،

وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك مخلوقاً بل كان ذلك كلاما لرب العالمين وعلي ذلك يؤكد المؤلف أن القرآن كلام الله تعالي، ولأنه كلام الله فهو صفة له تعالي لازمة أزلية لذاته فالقرآن غير مخلوق لأنه كلام الله، وكلامه سبب للخلق بكلمة كن «إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن تقول له كن فيكون». ويري ابن تيمية أن الصواب الذي عليه سلف الأمة وأهل السنة والجماعة هو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه وليس بشيء من ذلك كلاماً لغيره، لكن أنزله على رسوله صلي الله عليه وسلم مؤكدا أن القرآن ليس أسما لمجرد المعني، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعاني فقط،

كما أن الإنسان المتكلم الناطق، ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل مجموعها، وأن الله تعالي يتكلم يصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس كذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله فكلما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته ، فكذا لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد أكد في أسمائه وآياته ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته.

قضية الإيمان ويري ابن تيمية أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح والتصديق ليس بالقلب واللسان معاً وإنما بالقلب واللسان والجوارح، يقول تعالي :«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» فالأعمال الصالحات من ذكر الله تعالي واتكال عليه وإقامة الصلاة وإنفاق مما رزق حلال كلها من الإيمان، والإيمان عند أهل السنة قول وعمل وكل الطاعات كالصلاة وغيرها من الإيمان، والإيمان عن ابن تيمية - يزيد وينقص- يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية،

ومن الأدلة على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية قول رسول الله صلي الله عليه وسلم :«مؤمن أعطي لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله- وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه وهذا دليل على أن الإيمان ينقص ويكمل وأن العمل من الإيمان. ابن تيمية والتكفير يقول ابن تيمية «ليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتعين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لايزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.

ويؤكد المؤلف أن ابن تيمية ليس كما أشاع عنه بعض أعدائه من أنه سريع التفكير لمخالفيه، بل على العكس من ذلك فإنه يقول «بمذهب أهل السنة والجماعة.. أنهم لا يكفرون أهل القبلة من الذنوب ولا بمجرد التأويل». ويقول : لا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة« وكذا يري أنه لايجوز تكفير أحد من علماء المسلمين لمجرد خطئه في اجتهاده، فيقول: إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لايجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه ويقول الله تعالي «ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وإن دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطأ وهو من أحق الأغراض الشرعية

ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بهم، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة وإن شاد عاقبه وعذبه بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار» ونصوص القرآن تبين أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بارتكابه كبيرته، وقد سماهم الله فساقاً ولم يسمهم كفاراً ويؤمن أهل السنة والجماعة بشفاعة رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي أهل الكبائر.

ومن التوسل المشروع التوسل إلى الله سبحانه وتعالي بأسمائه الحسني وصفاته العلا وذلك عن طريق الثناء عليه قبل الدعاء.. وهناك توسل إلى الله بالأعمال الصالحة في تفريج الكربات لقوله تعالي «إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين» ومن اراء شيخنا أن دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به فعن أبي الدرداء عن النبي صلي الله عليه وسلم قال «ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل« أي بمثل ما دعوت لأخيك به.

ويختتم المؤلف الكتاب بالتوسل الممنوع وهو التوسل بغير ما شرع الله أو أمر بابتغائه وهذا النوع لم يكن أحد من الصحابة الكرام يفعلونه وهو حي أو بعد موته صلي الله عليه وسلم فقد كانوا يتوسلون بدعائه أثناء حياته الشريفة، لا بذاته الشريفة، سواء في زمن حياته أو بعد وفاته. خدمة « وكالة الصحافة العربية»