«المفردة التقليدية التي أصبحت الآن جلية للعيان في معظم المساجد، مثل المآذن العالية والقباب، لا تؤدي حقاً دوراً كبيراً في الأهمية التي يتمتع بها المسجد وقيمته في نسيج المدينة، وبالمقابل فقد سعيت إلى تحقيق التألق المعماري البسيط الذي يتناغم على نحو أكبر مع الطابع الحضري للرياض». هذا المقتطف جزء من تحليل المعماري العربي البارز واسم بدران للعلاقة بين تصميمه لمجمع قصر الحكم في الرياض والنسيج الحضري المحيط به، بما في ذلك المسجد الجامع الذي يشكل جزءًا بالغ الأهمية من هذا المجمع.

ومنجزات بدران في العمارة المسجدية عديدة، ومن أبرز ملامحها تصميمه لمسجد الملك عبدالعزيز في خرج بالسعودية، وتصميمه لمسجد علي بن أبي طالب في قطر. لكنني عندما أفكر في منجزات بدران ينصرف ذهني إلى مسجد أقل صرحية بكثير، وهو مسجد الأمين في بيروت، والسر في ذلك هو أن هذا المسجد الأخير يقدم لنا إطلالة على عمل معماري أقرب إلى كتلة نحتية بديعة، أقيمت في مواجهة تحديات هائلة من الموقع ومن النسيج ا لحضري الحافل بالحمولات الرمزية، في بيروت. في هذا المسجد يصل بدران إلى صياغة تكفل تحقيق الاستمرارية مع موقع ديني مجاور، وفي الوقت نفسه إبداع فناء متصور أو متخيل، وجلب النسيم إلى المسجد، والتوصل إلى علاقة جميلة بين المئذنتين والقبة وبيت الصلاة.

ومن يمر بمسجد إبراهيم الخليل بالفجيرة الذي تشرف عليه دائرة الأوقاف، لا يمكنه إلا أن يستحضر هذه المعاني في مجملها ويتأملها طويلاً. بأمانة شديدة لست أدري من هو المعماري الذي صمم مسجد إبراهيم الخليل بالفجيرة، وإن كنت قد تمنيت لو أني أعرفه، لأبادر إلى تهنئته على التوفيق الذي أصابه في تقديم عمل معماري فريد، يكفل قدراً ليس باليسير من الحلول لمشكلات معمارية واضحة، وفي الوقت نفسه يزين الأفق بإنجاز معماري يستعصي على النسيان. الجهد المبذول في هذا المسجد ينطلق نحو التماهي مع البيئة المبنية، وليس الاغتراب عنها، والكتلة الأساسية للمسجد تلوح لنا خيمة عملاقة، تحتاز الفراغ بطريقتها الخاصة، وتؤطر المئذنتان السامقتان الرشيقتان هذا الاحتياز.

قباب المسجد تؤكد قوة الكتلة المعمارية الرئيسية، وتستحضر الحمولات الرمزية التقليدية، فيما تؤدي وظائفها المرجوة باقتدار. خارج المسجد يوحي بالقوة والانغلاق على الداخل في مواجهة ظروف مناخية لا تفتقر إلى الصعوبة.داخل بيت الصلاة ينفتح على السكينة والبهاء والجلال والمشروع الزخرفي الرصين، الذي يحقق التكامل مع هذا الإنشاء القوي المكين. انظر هذه الحشوات الخطية العملاقة، الجميلة بلا إسراف ولا مبالغة، وتأمل المحراب الذي يلفت نظرنا بقياسه الإنساني البارع وبساطته وتقشفه وجماله في آن. تأمل هذا التكامل في الجمع بين الإضاءة الخارجية والداخلية والتوظيف الناجح لجماليات الخشب. دع عينيك تنطلقان مع هذه الوزرات الجميلة التي تزنر الجدران، وتذكر من جديد ما قاله بدران عن التألق المعماري البسيط والتناغم، ألا تجد نفسك أمام أحد تجلياته الباهرة؟

كامل يوسف