يقول الله تعالى: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» (البقرة:275). ذكر الفقهاء أن هذه الآية في آيات الأمثال التي تكشف عن الحقائق وتعرض الغائب في معرض الحاضر، ولم يرد ذكر هذا المثل في كتاب ابن القيم ولا في كتاب الترمذي، لا من بعيد ولا من قريب، رغم ذكره في العديد من الكتب الأخرى التي ألفها فقهاء العصر الحديث.

وأشار علماء البلاغة إلى أنها من التشبيه المقلوب وأن الأصل أن يقال: إنما الربا مثل البيع، فحدث قلب هنا ويعتبرونه من التشبيه البليغ، حيث يشبه رب العزة في كتابه المجيد حال من يأكلون الربا كمن لايقدرون على القيام بما ألم بهم من مس ناتج عن ضرب مبرح قام به الشيطان تجاههم وهم غير قادرين على رده. ويعقب بعض فقهاء العصر الحديث على هذ المثل بقولهم : إنها الحملة المفزعة والتصوير المرعب ،لا يقومون إلا كما الذي يتخبطه الشيطان من المس، وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة.. «صورة الممسوس المصروع» وهي صورة معروفة معهودة للناس.

فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس، لاستجاشة مشاعر المرابين وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة. وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها. بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة... ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة هو القيام يوم البعث، ولكن هذه الصورة- فيما نرى- واقعة بذاتها في هذه الأرض أيضًا،

ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله. ويذكر كتاب «المنتخب في تفسير القرآن الكريم» في متناول شرحه لهذه الآية إن الله تعالى أراد من هذه الآية التأكيد على أن الذين يتعاملون بالربا لا يكونون في سعيهم وتصرفهم وسائر أحوالهم إلا في اضطراب وخلل كالذي أفسد الشيطان عقله فصار يتعثر من الجنون الذي أصابه، لأنهم يزعمون أن البيع مثل الربا فيما أن كلا منهما فيه معاوضة وكسب.

فيجب أن يكون كلاهما حلالاً، وقد رد الله عليهم زعمهم، فبين لهم أن التحليل والتحريم ليس من شأنهم، وأن التماثل الذي زعموه ليس صادقاً، والله قد أحل البيع وحرم الربا، فمن جاءه أمر ربه بتحريم الربا وأهتدى به، فله ما أخذه من الربا قبل تحريمه، وأمره موكول إلى عفو الله، ومن عاد إلى التعامل بالربا باستحلاله بعد تحريمه، فأولئك يلازمون النار خالدين فيها. وقال الإمام ابن حنبل: الربا المذكور في الآية هو ربا الجاهلية وهو الزيادة في الديون في نظير الأجل وهو حرام في قليله وكثيره، ولا يسع مسلماً أن ينكره، ويقابله ربا البيوع وهو ثابت بالسنة في قوله صلى الله عليه وسلم: «البر بالبر مثلاً بمثل يداً بيد والشعير بالشعير مثلاً بمثل ويداً بيد والذهب بالذهب مثلاً بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلاً بمثل يدا بيد، والتمر بالتمر مثلاً بمثل يد بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى».

وقد اتفق العلماء على تحريم الزيادة عند المبادلة مع اتحاد الجنس في هذه الأشياء وأباحوا الزيادة إذا اختلف الجنس، ولكن حرموا التأجيل من هذه الأصناف، فالربا أمر محرم ومن يفعله على حب كتاب الله آثم وفاعل للمحرمات، كالذي يضربه الشيطان ضرباً شديداً على غير نظام حتى يصاب المضروب بالجنون نظراً لإصراره على التعامل بالربا المحرم فعله. كما يتضح أيضاً من التصوير القرآني عظم الجرم المرتكب والمتمثل في أكل الربا والإصرار عليه، بالقول إنه متاجرة عادية كغيرها وليست محرمة، وهذا ما يعد بدوره إصرارا على فعل المعصية، والمعروف أن الإصرار على فعل الصغيرة كبيرة في شريعة الإسلام، فما بالك لو كان هذا الإصرار في أمر أجمع الفقهاء والعلماء على حرمته.

«وكالة الصحافة العربية»