روى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكنّا حديث عهد ببيعة، قلنا: قد بايعناك يارسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا وأسرَّ كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئاً، فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إيّاه. يكرّس هذا الحديث الشريف مبدأ تربوياً هاماً في تنشئة الفرد المسلم على احترام النفس والشعور بالاستغناء عما في أيدي الآخرين، واستجماع الهمة، والاعتماد على الله تعالى في تأمين الكفاية الذاتية التي تشعر المؤمن بعزته الشخصية، وتجنبه الشعور بمعرة الاحتياج إلى الآخرين، والتطفل عليهم.

هذا المعنى نلحظه في هذا الحديث من خلال طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه بيعة خاصة، تختلف بنودها عن البيعة العامّة، التي سبقت لهم، ولكن الجديد الذي تضمنته هذه البيعة الخاصة ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في كلمة خفية أسرها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في قوله «ولا تسألوا الناس شيئا» والملاحظ أن أسلوب النهي في هذه العبارة أفاد نفي عموم السؤال، وهذا ما دلّ عليه التنكير في كملة (شيئاً) فالنهي عن السؤال يشمل سؤال المال، وطلب المساعدة من الآخرين، طالما أن النفس قادرة على الاستغناء عن الآخرين، وهذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم من عموم النهي عن السؤال حتى أن أحدهم لو سقط سوطه وهو راكب على دابته، فإن شعوره بالاستغناء عن الآخرين يجعله لا يطلب من أحد أن يناوله سوطه.

هكذا ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من خلال منهج متكامل يؤمن للفرد الشعور الحقيقي بالكفاية الذاتية والاعتماد على النفس وذلك بمراعاة عدة مقوّمات منها: 1 ـ حثّ الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه على العمل وكسب الرزق والأكل من عمل اليد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه». وقال عليه السلام: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده».

وكما حث النبي صلى الله عليه وسلم على العمل والكسب، فإنه ذمَّ المسألة، واعتبر استجداء الناس وطلب معوناتهم من غير حاجة ملحة، اعتبرها مذلة ومهانة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلٍقى الله تعالى وليس في وجهه مْزعة لحم» وهذا دليل على أن السؤال يذهب بماء الوجه وحيائه ويفقد صاحب الإحساس بكرامته وإنسانيته.

وقد ضيق النبي صلى الله عليه وسلم الحالات التي يجوز فيها السؤال، فلم يبحها إلا في أضيق الحدود مثل النوازل الطارئة أو الفقر المدقع وأمثالهما، ورغم ذلك وجه من يريد السؤال إلى الحاكم لكونه مسؤولاً عن الرعيّة، وسؤاله لا يشكل مهانة وإذلالاً فقال عليه الصلاة والسلام: «إن المسألة كدّ يكدُ بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا، أو في أمر لابد منه»، ورغم جواز السؤال عند الحاجة الملحّة،

فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجّه أصحابه في طلب حاجاتهم إلى الله تعالى والاستغناء عن الناس، استنهاضاً للهمة، وصونا للكرامة فقال عليه الصلاة والسلام: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدّ فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أول آجل». ولتحقيق هذا المنهج التربوي الهادف إلى الاستغناء عن الآخرين وعدم سؤالهم شيئاً اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ـ ترك السؤال والاستغناء عما في أيدي الناس طريقاً إلى الجنة فقال صلى الله عليه وسلم: «من تكفّل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفّل له بالجنّة؟؟ سؤال يطرحه النبي صلى الله عليه وسلم على كل راغب في الجنة ونعيمها، والثمن المطلوب ترك السؤال والترفع عما في أيدي الناس حفاظاً على الكرامة والعزة التي يريدها النبي صلى الله عليه وسلم، أن تكون أبرز الصفات التي تربّى عليها أمته صلى الله عليه وسلم.

د. أبو بكر علي الصديق