قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم، والتشبه بهم إنما يكون في عقائدهم أو أخلاقهم أو في الأمور التي تعد من شخصية المسلم وان كانت تعد من المظاهر، كاللباس وقصة الشعر وطريقة المشي وطريقة الكلام، إلا أن الصناعات والاختراعات لا تدخل في ذلك، بل يجب على المسلم أن يقلدهم حتى يسابقهم ويتفوق عليهم. وقد نهى الإسلام عن التشبه بهم لأن التشبه بهم يؤدي بالمسلم إلى تبعيتهم والخضوع لهم وهذا منهي عنه، لان المسلم في تعامله مع الكفار مأمور باستشعار العزة والاستعلاء الإيماني على الكفر وأهله.

كما أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز احدهما عن الآخر إلا بالعين فقط، وهذا أمر واقع فإن لابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك إلا أن يمنع منه مانع.

والمشاركة في الهدي الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر محسوس، فلو أن رجلين التقيا في مكان وكانت بينهما مشابهة في اللباس أو الشعر أو اللغة لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما يكون بين غيرهما. والتشبه بهم كذلك يوجب الاختلاط والظاهر بهم حتى يرتفع التمييز بين المسلمين والكافرين، وهو ينضم إليهم وكأنه واحد منهم، والانضمام إليهم يبعد أكثر عن جماعة المسلمين، وكلما اشتد القرب من جماعة أدى بالضرورة إلى البعد من الآخرين غيرهم.

ثم ان التشبه بالكفار ناشئ عن الإعجاب بهم والانبهار بآرائهم وعاداتهم ولو كانت في الحقيقة فاسدة، وذلك يكون في لحظات ضعف المسلمين وتمزقهم وتخلفهم، هذا ما حدث في أول القرن الماضي حينما صحا المسلمون على العالم الأوروبي المتفوق فسرى إلى المسلمين محبة التبعية لهم في الظاهر من اللباس إلى طريقة العيش، ثم سرى شيئاً فشيئاً إلى الفكر والأخلاق، ثم إلى العقائد أحيانا.

فأول خطوات التقهقر في القبائل والأمم والجماعات هو اهتزاز خصائصها وسماتها، ثم ضعف الثقة بلغتها وفنونها وآدابها، ثم يسري ذلك إلى منظومة قيمها وعقائدها، وإذا بها تذوب شيئا فشيئاً في الأمم القوية، وما تلبث هذه الشخصية حتى تبتعد عن أصل انتمائها ومنطلقات فلسفتها، وهذا يسمى الذوبان، تذوب امة في أمة حتى ما يبقى من الأولى شيء. أراد الإسلام أن يزرع في المسلم العزة والتعالي من غير كبر ولا عدوان على الناس، بل هو من باب الاعتداد بما عند المسلم من الدين الإلهي الخالد، وهذا يكسبه القوة والمناعة ضد فيروسات التقليد والركض وراء أمم عندها مظاهر قوة و إن كانت في الباطن تعاني من الفقر والإفلاس أحيانا.

لما انطلق الجيش الإسلامي في الأرض خرج بهذه النفسية السامية، خرجت معلمة للناس مستمسكة بكل المنظومة العقائدية والأخلاقية التي غذاهم بها الإسلام، فليسوا بعد اليوم بحاجة إلى من يرشدهم ويأخذ بأيديهم، اللهم إلا إذا كان هذا العلم يقوي ما عندهم من قيم ويحمي دينهم بأسباب القوة المادية والحضارية. هؤلاء المسلمون الذين خرجوا إلى الناس بهذه النظرة المتعالية أكسبت الأعداء هيبة، وصارت الأمم تقلدهم في لغتهم ولباسهم وأخلاقهم وطريقة معاشهم، وصار المسلم ينظر إليه على أنه سيد الأرض يعلم ولا يتعلم ويقود الأمم ولا ينقاد لأحد إلا لله، وما عرفنا المسلم متلقفا لعادات الشرق والغرب إلا في القرنين الماضيين حيث ضعفت الثقة بالنفس وبالله، وهذا أول الهزيمة.

زكريا الطحان