من بين المفارقات التي قد يصعب على المرء فهمها في سياق الحديث عن علاقات العالم الإسلامي مع الغرب أنه فيما يتزايد الاهتمام بالإسلام والعالم الإسلامي على مستوى الدراسة الأكاديمية، فإن جهلا مطبقا يسود على مستوى معرفة رجل الشارع الغربي بالإسلام. واذا كان من الصحيح أن الجانب الأول المتمثل في الاهتمام بالإسلام يعود الى تطورات العقود الثلاثة الماضية، إلا أنه لا يمكن إنكار أن هذا الاهتمام كان قائما منذ قرون تمتد الى بدايات الإحتكاك الإسلامي مع الغرب وبالتحديد من خلال تجربة الحكم الإسلامي في الأندلس وتجربة الدولة العثمانية التي أقضت مضاجع الغرب تحت اليافطة الإسلامية.

ومن بين المظاهر التي تعكس هذا الاهتمام في عصرنا الحالي اعادة طبع العديد من الكتب الأساسية التي تتركز على تناول علاقات الطرفين.. العالم الإسلامي والغرب، وهي الظاهرة التي ازدادت وتيرتها فيما بعد أحداث سبتمبر ويكشف عنها جولة على مواقع بيع الكتب الأجنبية مثل الأمازون وغيرها. ومن الملاحظ هنا كذلك ازدياد الكتابات التي تتناول بشكل خاص قضية الجهاد في مسعى لتفسير العمليات الإستشهادية التي تتم من قبل العديد من الفصائل الإسلامية خاصة في إطار الصراع مع إسرائيل.

وهنا فإن استعراض نماذج من هذه الكتب يكشف عن عمق الدراسة الغربية للإسلام بغض النظر عن طبيعة توظيف هذه المعرفة. كما أن جولة على البرامج البحثية تؤكد ذلك ومن ذلك مثلا البرامج العديدة التي تقوم بها مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة حول الإسلام السياسي ومنها مشروع شيكاغو حول الأصوليات الذي نتج عنه تقويم لجوانب الإسلام في العقيدة والفعل والممارسة. الى جانب ذلك هناك برنامج فولبرايت والذي يضم قسم يقدم منحا دراسية عن الإسلام والحضارة الإسلامية .

على الجانب الآخر فإنه على مستوى المواطن الغربي العادي يسود الجهل الكبير بطبيعة الإسلام بشكل يثير الدهشة ويجعله فريسة سهلة لأي رؤى يمكن أن تقدم له بشأن الإسلام ، وهو ما يعكس تحامل الرأي العام الغربي بشأن قضايا الإسلام والمسلمين، الأمر الذي لا يعكس موقفاً ينطلق من معرفة بل من جهل، يزيد من تأثيراتها السلبية مجموعة الصور النمطية التي يتم بها تغذية العقل الغربي عن الإسلام.

ومن الأمثلة التي نراها ذات دلالة بالغة في هذا الخصوص ما ذكره أحد الكتاب الغربيين في معرض تناوله لهذا الجانب حيث ذكر أنه إزاء تزايد الاهتمام الأميركي بالإسلام فيما بعد ثورة الخميني في إيران عام 1979 وفي إطار محاولة تقديم فكرة مختصرة للمشاهد الأميركي عن الإسلام حرص معد أحد البرامج الإخبارية على تقديم خلفية بالغة الإختصار أشار خلالها الى أن الإسلام يعتبر الديانة الثانية على مستوى العالم، وأنه لديه نص مقدس يسمى القرآن، ونبي يسمى محمدا. وليس أمام المرء سوى أن يعلن دهشته أمام أهمية هذه المعلومات للتعريف بدين رئيسي للمشاهدين في واحدة من أكثر أمم العالم تقدما وتعليما.

وتقدم لنا هذه الصورة تفسيرا لما يمكن تسميته بقابلية المواطن الغربي واستعداده الذهني لتكوين صور خاطئة عن الإسلام، وهى الصور التي يصعب تغييرها في ضوء حقيقة أن الناس عندما يتبنون أفكارا معينة عن أي قضية أو جماعة حتى لو كانت غير مرتبطة بالإسلام يكون من الصعب إقناعهم بالتخلي عن هذه الأفكار. وعلى ذلك فإنه ليس من الصعب أن يكون المجال مفتوحا أمام غرس أفكار خاطئة عن الإسلام بغض النظر عن مدى مساهمتنا نحن فيها كمسلمين. ويفسر لنا ذلك الصورة القائمة في الغرب عن أن الإسلام يرفض الديمقراطية ويقمع المرأة ويدعم الإرهاب، وغير ذلك من جوانب سلبية عديدة تم توصيف الإسلام بها وهو منها براء.

مصطفى عبدالرازق