د. أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر الشريف وأحد ممن تولوا مهمة الإفتاء في مصر، معروف عنه انشغاله الدائم بقضايا الإفتاء في الأمة العربية، جرأته المعهودة جعلت من آرائه وفتاويه علامات فارقة في متناول التعامل مع العديد من المسائل الشرعية، نظرته إلى قضية علاقة المسلم مع غيره من أتباع الديانات السماوية تتسم بكثير من الموضوعية والهدوء،

خاصة وأنه مكث سنوات عديدة في حياته في مقر دار الحضارة الغربية عندما انتدب أثناء عمله بالجامعة ليعود ومعه شهادته العالمية الدكتوراة في تخصص الفلسفة الإسلامية. أكد د. أحمد الطيب في حواره ل«وكالة الصحافة العربية» على أنه من أتباع نظرية التحاور على أساس الرأي والرأي الآخر البعيدة كل البعد عن مختلف صور العنف، موضحاً أن الإسلام شريعة للتفاهم والتحاور مع الآخر لا للعنف وسفك الدماء. وأشار الطيب إلى حكم الدين في مختلف المسائل الرمضانية واصفاً السبيل الأمثل، الذي يجب على المسلم أن يتبعه في شهر رمضان ليكون من الفائزين.

ـ دائماً يثار الجدل عند بداية كل شهر هجري خاصة شهر رمضان، فكيف تثبت رؤية شهر رمضان؟

ـ يثبت شهر رمضان بأحد أمرين: أولهما، رؤية هلاله يوم التاسع والعشرين من شعبان إذا كانت السماء خالية مما يمنع الرؤية، وذلك للحديث الصحيح: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، ويكفي رؤية هلال رمضان من قبل رجل مسلم عدل واحد، لحديث ابن عمر، قال: «تراءى للناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنى رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه»، وثانيهما، يكون عند تعذر رؤية الهلال، وهنا يجب على المسلمين إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً،

وذلك للحديث: «فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» أما ثبوت هلال شوال فيكون بشهادة عدلين اثنين، ولا تكفي شهادة الرجل الواحد العدل لأنه خروج من العبادة يجب فيه التوثق، فإذا تعذرت رؤية الهلال، فيجب إكمال رمضان ثلاثين يوماً، ويجب أن يكون التماس الهلال عند غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ورمضان، وذلك من فروض الكفاية. وكذلك اتفق العلماء على جواز استعمال المراصد لرؤية الهلال، لأن إثباته يبقى مبنياً على الرؤية بالعين ولو استعملت وسائل مساعدة حديثة، واختلفوا في إثبات الهلال عن طريق الحساب من غير رؤية،

نظراً لأن أكثر العلماء المعاصرين يرون أن إثبات الهلال بالحساب لا يجوز، لأنه مسألة تعبدية يجب الوقوف فيها عند النص، وفي الوقت ذاته أجمع علماء السلف أن الصوم والإفطار اعتماداً على النجوم لا يصح لأن علم النجوم حدس وتخمين، خاصة وأن المقصود من الرؤية تيقن ولادة الهلال. وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سبب الاعتماد على الرؤية، وهو أن المسلمين لا يعرفون الحساب، مما يعني أنهم إذا تعلموه أمكن لهم الاعتماد عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا ـ أي تسع وعشرون أو ثلاثون»، ومن المعروف أن الحساب اليوم يختلف عن الحساب في الماضي، الذي كان يغلب عليه الظن والتخمين.

ثبوت الرؤية

ـ ولماذا يحدث الاختلاف بين البلاد الإسلامية؟

ـ يكون اختلاف المطالع، إذا ثبتت رؤية الهلال في قطر من الأقطار، ولم تثبت في قطر آخر، إلا أن أكثر علماء الأمة يرون أنه يجب الصوم على جميع المسلمين في جميع الأقطار في حالة ثبوت الرؤية في أحد الأقطار، لأنه لا عبرة عندهم باختلاف مطلع الهلال، وهو الرأي الصحيح عند الأحناف، والمختار عند الشافعية أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تلزمهم رؤية غيرهم إلا إذا اتحد مطلع الهلال بين البلدين.

ـ وماذا عن مشروعية الصيام فقهياً؟

ـ الصيام هو الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية، وقد فرض الله تعالى على المسلمين صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، ولليلتين خلتا من شهر شعبان، وتدرجت أحكام الصيام في مراحل ثلاث، أولهم، كان فرض الصيام فيها على التخيير، فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم ـ ولو كان قادراً ـ وعليه الفدية طعام مسكين، وثانيهم، أصبح فرضاً لا صيام فيها إلزاماً بغير تخيير، ورخص للمريض والمسافر أن يفطر ويصوم بعد رمضان بدل الأيام التي أفطرها، وثالثهم، إباحة الطعام والشراب والجماع من غروب الشمس إلى طلوع فجر اليوم التالي.

وقد كانت أحكام الصيام في المرحلتين الأولى والثانية أن الصائم إذا نام حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى اليوم التالي، فشق ذلك على المسلمين، فنزل قوله تعالى: «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم» إلى قوله تعالى: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» البقرة 187، وقد أجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان، وأنه ركن من أركان الإسلام وأن منكره كافر مرتد.

ـ وماذا عن شروط الصيام؟

ـ هي نوعان: أولهما، شروط الوجوب، أس الشروط اللازمة ليكون الصيام واجباً ـ وهي: الإسلام، والتكليف، والإطاقة للصيام، فيسقط الصيام عن غير المسلم، ويسقط عن المسلم غير المكلف، كالمجنون والصبي، وإن كان الصبي يؤمن بالصيام ليعتاد عليه، ويضرب عليه إذا بلغ عشر سنين، ويصبح منه إذا كان مميزاً «أي بلغ سبع سنوات»، كما يسقط الصيام عن الذين لا يطيقونه أصلاً، كالشيخ الكبير والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه، وتجب عليهم الفدية.

أما النوع الثاني، فهي شروط الأداء أو الصحة، أي الشروط اللازمة ليكون الصيام صحيحاً مقبولاً ـ وهي: الإسلام، والتمييز بالنسبة للصبي، والطهارة من الحيض والنفاس، لأن الحائض والنفساء يجب عليهما الصيام ولا يصح منهما إلا بعد أن تطهرا، فتطهر طيلة فترة حيضهما ونفاسهما، حتى إذا طهرتا يجب عليهما أن تصوما بدل الأيام التي أفطرتاها، كما يشترط لصحة الصيام أن يقع في يوم لم ينه عن الصيام فيه كأيام العيدين وسواها.

أركان الصيام

ـ هل هناك أركان شرعية متفق عليها للصيام؟

ـ هناك ركنان للصيام وهما، النية: لأنها هي التي تميز العبادات عن العادات، ولا يشترط التلفظ بها لأن محلها القلب، فمن تسحر قاصداً للصيام فهو ناو، ومن عزم على ترك المفطرات طاعة لله فإن عزمه نية، ووقت النية طيلة الليل وحتى طلوع الفجر، وذلك في صيام شهر رمضان، وقضاء الأيام الفائتة من رمضان، وصيام النذر، وصيام الكفارة، فإذا طلع الفجر ولم ينو لا يصح الصيام، وذلك لحديث حفصة قالت: قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يجمع ـ من الإجماع إلى إحكام النية والعزيمة ـ الصيام قبل الفجر، فلا صيام له»، أما صيام التطوع، فتصح النية فيه حتى ما قبل الزوال عند الأحناف والشافعية، وذلك لحديث عائشة،

قالت: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قال: «فإني صائم». أما الركن الثاني فهو الامتناع عن المفطرات من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، والمفطرات أربعة أنواع، كل ما يدخل إلى الجوف عن طريق الفم، سواء كان طعاماً أو شراباً يتغذى به الجسم، أو كان شيئاً لا فائدة منه للجسم، وكل ما يغذى الجسم ولو دخل من غير الفم كإبرة المصل وسواها، أما إبر الدواء سواء كانت في العضل أو في العروق فلا تفطر، القيء عمداً، أما القيء رغماً عنه،

فلا يفطر، والاستمناء، وهو تعمد إخراج المنى، سواء كان سببه تقبيل الرجل لزوجته، أو كان باليد، فهو مفطر، أما إذا كان سببه مجرد النظر أو التفكر، فلا يفطر، وكذلك نزول المذى لا يؤثر على الصيام، أما الجماع، فلم يُبحه الله في شهر رمضان إلا في الليل: «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم» البقرة 187، ويشترط في جميع هذه المفطرات أن يفعلها الصائم ذاكراً للصوم، فلو أكل أو شرب أو استمنى، أو استقاء، أو جامع ناسياً للصوم فإنه لا يفطر سواء كان ذلك في شهر رمضان أو في غيره، وسواء كان الصيام فرضاً أو نفلاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «من نسى ـ وهو صائم ـ فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».

ـ وكيف يكون قضاء الفائت من صيام شهر رمضان؟

ـ حتى رمضان المقبل باتفاق العلماء، والقضاء كالأداء من حيث العدد، فمن فاته ثلاثة أيام يصوم بدلاً عنها ثلاثة أيام فقط، ولا يجب التتابع في القضاء، فيجوز أن يصوموا ثلاثة أيام متفرقة، ولكن التتابع أفضل، لأنه أشبه بالأداء، وإذا دخل رمضان المقبل دون أن يقضى ما عليه من الفوائت، فإن كان ذلك لعذر، فإنه يؤخر القضاء إلى ما بعد صيام رمضان، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، وجب عليه القضاء بعد رمضان مع الفدية، وهى إطعام مسكين واحد عن كل يوم، وإذا مات المسلم، وعليه صيام، فيستحب لوليه أن يصوم عنه، لحديث رسول صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه»، وعند الشافعية، فالولي مخير بين الصيام والفدية، أما مذهب الجمهور، فهو أن يطعم وليه عنه مسكيناً كل يوم، وذلك للحديث: «من مات وعليه صيام أطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً»

ـ ما هي مبيحات الصيام في شهر رمضان؟

ـ يباح للصائم النزول في الماء والانغماس فيه للاغتسال، لما روى أن رسول صلى الله عليه وسلم «كان يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر»، وإذا دخل الماء إلى جوف الصائم من غير قصد، فصومه صحيح لأنه يشبه الناسي، والاحتكاك والقطرة في العين، ولو وجد طعمها في حلقه، لأن العين ليست منفذاً إلى الجوف، وكذلك القطرة في الأذن، أما ما يدخل عن طريق الفم والأنف، فهو مفطر، والمضمضة والاستنشاق دون مبالغة، فإن بلغ شيئاً من الماء بغير قصد لا يفطر لأنه يشبه الناسي، والقبلة لمن قدر على ضبط نفسه،

ولا فرق في ذلك بين الشباب والشيوخ، لأن المهم القدرة على ضبط النفس، فمن كان من عادته أن تتحرك شهوته بالقبلة كرد له ذلك، وفى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم يباح للصائم ما لا يمكن التحرز منه كبلع الريق، وغبار الطريق، كما يباح شم الروائح الطيبة، ويباح للمرأة عند الضرورة أن تتذوق الطعام، ثم تلفظه حتى لا يدخل إلى جوفها فتفطر،، ويباح للصائم أيضاً أن يستيقظ على جنابة، سواء كانت من احتلام، أو من جماع، والأفضل الاغتسال من الجماع قبل النوم، ويباح للصائم الاستمرار في الأكل حتى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر وفى فمه طعام، وجب عليه أن يلفظه، فإن فعل، صح صومه، وإن ابتلع ما في فمه من طعام مختار أفطر، والأفضل أن تمسك عن الطعام قبل الفجر بقليل.

ـ ظاهرة تضارب الفتاوى تثير قلق الكثيرين، فكيف برأيك يكون الحل الأمثل؟

ـ ان واجب العالم، خاصة إذ كان ممن يتولون مسؤولية الافتاء، أن يراجع نفسه، وأن يعود إلى الحق إذا ما اتضح له غير ما أفتى أو اجتهد به، فالرجوع إلى الحق فضيلة ينبغي أن يتمتع بها كل علماء الإسلام في كل العصور وفى كل البيئات، والتراجع عن رأى أو اجتهاد أو موقف عندما يوجد ما يستدعى هذا التراجع لا يهز صورة المفتى، بل على العكس يقوى موقفه ويحسن من صورته ويضاعف الثقة به لأنه تخلق بأخلاق علماء الإسلام الكبار،

لذلك أرى أنه لا يوجد حرج في التراجع عن فتوى أو اجتهاد إذا ما جد جديد يستدعى هذا التراجع، كأن توجد أدلة وبراهين جديدة أو أكثر مصداقية تفوض على المفتى أن يغير رأيه أو يتراجع عن فتوى سابقة، أو أن توجد ظروف وملابسات جديدة تستدعي تغيير الحكم الشرعي الاجتهادي، الذي يتغير ويتبدل بتغير الظروف والأحوال ويختلف من مجتمع إلى آخر

صراع قائم

ـ وماذا ترى في الصراع القائم بين الغرب والمسلمين في الآونة الأخيرة، الذي تجسد في الحرب الظالمة التي تشنها إسرائيل على الداخل، الفلسطيني والجارة اللبنانية بدعم واضح من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من بلاد أوروبا؟

ـ إن محاولة إقحام الإسلام في ساحة الصراع الحضاري مؤامرة صهيونية، ذلك أن ثقافة العداء والمواجهة الحضارية، التي تنتشر في الغرب تدعمها القوى الصهيونية واليمين المتطرف لخلق حالة من المواجهة والصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية، نحن كمسلمين نفتخر بأننا أصحاب حضارة عريقة ملأت العالم نوراً وعلما وجسدت كل قيم التسامح، التي جاء بها الإسلام، ولو استعرضنا مسيرة الحضارة الإسلامية لوجدناها جسدت كل قيم التسامح التي جاء بها الإسلام، واعتمدت على الحوار في المقام الأول، ولذلك سادت العالم في أقل من مائة عام بعد نزول القرآن الكريم،

وما كان لحضارة الإسلام أن تنتشر بهذه الصورة التي أذهلت علماء التاريخ لولا أنها كانت ترتكز على وسيلة الحوار والحجة والإقناع، وتكفى نظرة سريعة إلى خارطة التراث في هذه الحضارة لتتعجب على قدرة أهلها عن هضم ثقافات الأمم الأخرى وتمثلها وتطويعها وصياغتها من جديد صياغات أفادت الإنسانية في الشرق والغرب على السواء،

وإذا ما نظر هؤلاء المتطاولون على حضارة الإسلام إلى تراث علمائنا الأفذاذ من الفقهاء والفلاسفة والمفسرين والأصوليين المتكلمين والأطباء وعلماء الفلك وغيرهم، لوجدوا أن الحضارة الإسلامية لم تكن أبداً حضارة صراع أو نفياً للآخر وسحقه وإزالة ملامحه وقسماته، وكيف يكون ذلك والقاعدة التي أسسها لها رسولها الأعظم، تقرر أن «الحكمة ضالة المؤمن أن وجدها فهو أحق الناس بها»؟! لكن في كل الأحوال فنحن كمسلمين مطالبون بأن نواجه الافتراءات الغربية بعقلانية وهدوء.