انتشر مشروب «المتَّة» في سوريا منذ بدايات القرن الماضي، وبعد أن أتيح لبعض العائدين السوريين الذين هاجروا إلى الأرجنتين العودة إلى وطنهم وقد حملوا معهم مشروبا مصنوعا من عشبة خضراء اللون تسمى «المتَّة»، وهو مشروب منتشر بكثرة في الأرجنتين التي تعتبر الدولة الأولى المنتجة والمصدرة له في العالم، ويقال ان الأرجنتينيين من كل الأعمار والفئات يحبون هذا المشروب ويرون فيه الشراب الأنفع، فهو مادة غذائية غنية بفيتامين /c/ وتحوي على مواد منبهة، ولكن بنسبة أقل من القهوة والشاي.
وصحيح أن السوريين قد عرفوا هذا المشروب في البداية ولكنه ظل محصورا جغرافيا بفئة معينة وبمكان معين، إذ أن انتشاره بدأ بمنطقة النبك والقلمون نظرا لأن أغلب الناس الذين عادوا من الأرجنتين كانوا ينتمون إلى هذه المنطقة، والطقوس الخاصة بشارب «المتَّة» ما زالت منتشرة في هذه المناطق تحديدا، ثم امتد تعاطي المشروب إلى المنطقة الساحلية في الغرب من سوريا،
وإلى منطقة السويداء وجبل الدروز جنوبا، ومنطقة حمص ومصياف والسلمية في الوسط، ولم نخضع التسلسل التراتبي لانتشار المتة جغرافيا في سوريا لعدم دقة المعلومات.تعامل باقي أفراد الشعب السوري بلا اهتمام مع «المتَّة» بل قابلوه باستخفاف، ولا توجد مطاعم أو مقاهٍ سورية تقدم هذا المشروب لروادها إلا ما ندر وفي أماكن خاصة.
وغالبا ما تُتهم «المتَّة» بأنها وليدة مجتمعات شعبية ومتخلفة ولا علاقة لها بالمدنية ولا تشجع إلا على الكسل والتقاعس والنميمة، وفي سوريا ثمة من يتندر بأنه ما من مكان وجدت فيه «المتَّة» إلا وكثرت فيه النمائم والدسائس.. والمدهش أن خمسة مسلسلات سورية على الأقل هذا العام يشرب أبطالها هذا المشروب خلال الحوارات التي يتبادلونها، وقد ظهر تعاطي «المتَّة» في الأعمال الدرامية السورية لأول مرة في مرايا ياسر العظمة على الأغلب،
لأن هذا الفنان اشتهر بتقليده لسلوك أغلب المناطق السورية معرجا على السويداء واللاذقية، والآن نادرا ما يعرج المخرجون في أعمالهم على سكان المنطقة الساحلية والغربية في سوريا بدون أن يذكروا «المتَّة» في جلسات الناس اليومية، وفي البداية كان يستغرب المشاهد السوري ان يجري الحديث عن «المتَّة» في الأعمال الدرامية، ذلك أن هذا المشروب كان معتمدا من قبل طائفة معينة أو سكان منطقة بعينها مما قد يفسر سخرية أو تهجما على سلوك وعادات وتقاليد معينة،
وهذا ما كان يخشاه المخرجون وصناع الدراما السورية، وكان القلم الأحمر للرقيب السوري حاضرا في شطب كل ما من شأنه إثارة حفيظة جهة ما، وباعتقادي أن فيلمي المخرج عبد اللطيف عبد الحميد «ليالي ابن آوى» و«رسائل شفهية» قد وسعا كثيرا من الهامش في التعاطي مع قرى وسكان المناطق الساحلية في سوريا ومع مشاكلهم وواقعهم المعاش،
وصار بالإمكان الحديث بنفس لهجة تلك المناطق، ولكن هذا الأمر خلق حساسية بأن المقدرة على الضحك وإثارة الضحك التي تستطيع ان تثيرها لهجات ومواقف سكان تلك المناطق ربما تعني السخرية من عادات وتقاليد وموروث ما، فصار الأمر محصورا ببعض المشاركات الدرامية الخفيفة، وبدون أن يكون هناك منع رسمي من الحديث بأية لهجة محلية أو تناول عادات منطقة ما.
ولكن ما يلفت النظر الآن أن المسلسلات السورية صارت تحكي عن الأوساط الشعبية الموجودة في العاصمة السورية بدون التعرض إلى لهجاتها وأقصد بهذا «مسلسل غزلان في غابة الذئاب» للمخرجة رشا شربتجي و«مشاريع صغيرة» للمخرج الشاب المثنى صبح، وبالتالي صار بالإمكان إلحاق رمز ما بعادات وتقاليد تلك المجتمعات حتى يفهم المرء أن المسلسل يتعرض لطبقة مهاجرة من منطقة ساحلية ومتمركزة في مناطق شعبية في دمشق.
«المتَّة» إذاً؛ شاءت لها الأقدار أن تأتي مع العائدين من الأرجنتين إلى سوريا كي تكون مشروبا محببا لدى سكانها، ولكن لم يكن معلوما أنها ستتحول إلى إشارة تنم عن الانتماء إلى منطقة ما أو عادات مجتمعات محددة، وبالتالي فمن حق «المتَّة» أن تتباهى كطقس يومي لدى بعض الأوساط الاجتماعية فيها، وواحدة من بطلات الدراما التلفزيونية السورية لهذا الموسم.
دبي ـ جمال آدم