كان أستاذنا المغفور له د. زكي نجيب محمود 1993 رجلا متواضعا غاية في التواضع، دمثا في أخلاقه، لين الجانب، هادئ الطبع، وقد دأب في كثير من كتبه الإشارة إلى الذين جرحوا مشاعره، وأهانوه بطريقة غير مباشرة، وأساؤوا إليه بكلماتهم الخشنة وأسلوبهم الغليظ، انطلاقا من غطرستهم وكبريائهم، وكتب فيهم مقالا بعنوان «النفخة الكذابة» والمتأمل في حركة الحياة وتدافعها وتمازج البشر اللاهثة وراء سراب فارغ، يقابل هذه الأنماط التي تشبه «القنافذ» فإذا اقتربت منها تطاولت عليك، وشمخت برأسها.
ونظرت إليك نظرة استعلاء ونالك منها نصيبا من وخز الإبر، فأدمت جلدك، أو مزقت ثوبك، وهؤلاء الناس يلحظ لهم سمات بارزة، وهيئة مخصوصة مميزة، وحركة لافتة للنظر، فإذا رأيته يعبر الطريق شمخ بأنفه، كأن هواء الكون لا يكفي رئتيه الصغيرتين، ومد رأسه في الهواء ليطاول برج الجزيرة في القاهرة.
وثقلت خطواته خوفا أن لا تقدر الأرض على حمله، وحينما تدقق في حركة يده، وهي تتجسس ربطة عنقه الأنيقة، وتثبت نظارته الشمسية الذهبية ثم تهبط حتى تتوارى في جيبه في بطء مقصود وحركة مرسومة تشعر أنك أمام تمثال من تماثيل الفراعنة، وربما ظن في نفسه أنه أحمس الذي طرد الهيكوس من مصر، أما إذا ركب سيارته فهو رمسيس الثاني في عربته الحربية التاريخية تجرها الخيول الأصيلة.
يتأمل المرء في هذه الشخوص التي تعيش بيننا، وتتحرك حولنا، وتظن أنها من طينة أخرى غير طينة البشر، أو من عنصر جوهري نوراني غير موجود علي هذه الأرض أو أنها مخلوقات مغايرة لنا، جاءت من كوكب آخر غير كوكبنا.
ترى لماذا هذه النفخة الكذابة، والاستعلاء البشري الأجوف، والزهو الفارغ والكبرياء المصطنع؟
إذا ذهبنا نبحث عن الأسباب المرئية لنا، وتعقبنا جذورها، فلعلنا نلخصها في الآتي:
ـ يعتقد المتكبر أنه من نسل مميز أو أسرة مصطفاة.
ـ يتمتع بهيئة ممتازة أو جسم متناسق متكامل وصحة موفورة العطاء ووجاهة لافتة للانتباه.
ـ منصب راق في سلم الوظائف يضفي عليه وجاهة اجتماعية وسلطة قاهرة.
ـ صاحب مال عريض وثروة ضخمة.
ـ علم غزير وثروة مصرفية أحاطت بتاريخ الحضارات، وشؤون الوجود.
ولكن هل معنى ذلك أن كل الذي يمتلك هذه المقومات من حقه أن يشمخ برأسه ويتعالى على عباد الله الضعفاء المساكين. من الضلال ان تعتقد ذلك، لأن الواقع وهو أصدق دليل يكذب ذلك؛ هذه نقطة، والأخرى أن هذه الأسباب مجتمعة أو منفردة لا تبرر هذا السلوك الفج، والنظرة المتعالية، والشعور بالفوقية تجاه الأفراد والمجتمع.