روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود (أي فقير جائع) فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بعض نسائه فقالت:
والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
«من يضيف هذا الليلة؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي رواية، قال لامرأته: هل عندك شيء؟
قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلّليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوّميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فقعدوا وأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح غدا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة».
قصة عجيبة، وحادثة غريبة، لو لم تذكر في الكتب الصحاح لأخذ الشك منها طريقه إلى القلب في إمكانية وقوعها، لأنها تأتي مخالفة لفطرة الإنسان وغرائزه البشرية التي تجتمع معاً لتقدم الغير على النفس خاصة إن كان ذلك الغير لا يشكل جزءاً من النفس كالزوجة والولد.
ولكنه الإيثار الذي يشكّل مرحلة متقدمة ومرتبة راقية في تهذيب النفس وتدريبها على حبّ البذل والعطاء رغم كونها مفطورة على الشح والرغبة في منع الخير عن الآخرين، وقد يكون الإيثار سهل التصوّر عندما نجد الأمهات يؤثرن أولادهن على أنفسهن، وكذلك الآباء، وكذلك قد نجدها عند العشاق المتحابين .
حيث يؤثر العاشق من يحب على نفسه، ولكن هؤلاء المؤثرين لو تعاملوا مع الآخرين لكانوا في غاية الأنانية وحبّ الذات، وأما الإيثار الذي تحدث عنه الحديث الشريف لا نجده إلا عند المؤمنين الصادقين، الذين يبذلون كل شيء ابتغاء مرضاة الله تعالى، وهذه الدرجة لا يصلها الإنسان إلا بعد رياضة شديدة.
ومجاهدة كبيرة لغرائز النفس وشهواتها كما ذكر هذا الحديث الشريف الذي جعل هذين الوالدين يحرمان نفسيهما وأولادهما من العشاء، إكراماً وإيثاراً لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه وقفة تربوية تبين أثر العاطفة الإيمانية الواعية في توجيه السلوك والارتقاء بالإنسان إلى درجة تجعل سلوكه ينال إعجاب الرحمن كما جاء في هذا الحديث «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة».
وقد يدهش العبد عندما يجد نفسه الذليلة ضعيفة الشأن أمام عظمة الله وجبروته، قد يدهش عندما يجد ذلك الاهتمام الكبير من الله بعبده، ولكن تلك الدهشة تزول عندما يعلم هذا العبد مكانته العظيمة في الملأ الأعلى، والتي تجعله محطة لأنظار الله ورحمته، فكم من موطن يباهي الله فيه ملائكته بهذا العبد المؤمن الطائع كما يحدث يوم عرفة وغيره.
وإذا كان هذا الحديث قد أشار إلى هذا الخلق العظيم الذي ربّى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، فقد شكل منهجاً فريداً في التربية الإنسانية الرفيعة التي تجعل الإنسان يفضل غيره على نفسه.
وهذه التربية طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم عملياً مع أصحابه عندما خصّهم بكل ما هو بحاجة إليه ولو كان من أبسط الحاجات فهاهي امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فخرج إلى أصحابه وهي إزاره فقال له أحد أصحابه :
اكسنيها، ما أحسنها، فقال: نعم، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، محتاجاً إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يردّ سائلاً، فقال: إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني.
د. أبو بكر علي الصديق