«الشوارب» أو «الشاربان» هي الشعيرات النامية فوق الشفة العليا عند الرجل وقد ارتبطت هذه الشعيرات بمعاني «الرجولة» و«الفحولة» و«الكرامة الذكورية» عند العرب -ولا أعرف إن كانت هي كذلك عند غيرهم- حتى جاز الفخر بالشاربين وبطولهما وتفتيّلهما، وحتى جاز أن تقدم شعيرات منهما كسند أمانة مقابل دين مالي، حيث يؤدي عدم الدفع إلى ضياع الشوارب وفي هذا الضياع كل الذل والمهانة.

إسلامياً يعتبر الإبقاء على الشوارب مع حفهما بحيث لا تغطي الشفة العليا من السنة النبوية الشريفة، فاللحية والشوارب وغطاء الرأس مما كان يزين الرجل ويحفظ خصوصيته كرجل، أما اليوم فقد فقدت هذه الهيئات معانيها، ولو رأى رجل عربي منذ مئة سنة فقط رجلاً منا هذه الأيام لصعقه منظره ولنزل من عينه كأنه رأى أو يرى رجلاً متأنثاً وعارياً يمشي في الشارع.

فلتحلق الموس الشوارب إنها منكم براء

نسيت من صاحب هذا البيت الشعري الذي قيل في بدايات القرن العشرين وأظنها أيام الأفغاني ومحمد عبده -الشيخ وليس المطرب- والنديم ورضا، أيام كانت الرجولة أفضل وأقدر وأوضح منها في أيامنا، وسؤالنا اليوم هل نستحق كرجال عرب ومسلمين الشوارب أم أن علينا أن نحلقها حياءً وخجلاً.

نحن كرجال في القرن الواحد والعشرين نعيش سلسلة من الهزائم بدأت ولم تنته، فبالإضافة إلى الهزائم السياسية والعسكرية مما يصعب الخوض فيه هناك الهزيمة الداخلية من خوف وقلق يتضخمان إلى حد المرض، وهناك الهزيمة أمام رغيف الخبز وإيجار السكن وقسط المدرسة وزجاجة الدواء.

وهناك الهزيمة أمام أكثر الزوجات وأكثر الأولاد وأكثر أرباب العمل وأكثر المدراء، وهناك الهزيمة أمام المد الاباحي والغزو الثقافي وفن «الهشك بشك»، وهناك الهزيمة الدينية والأخلاقية والتنصل من المسؤوليات المترتبة على المتدين والأخلاقي، وهناك الهزيمة أمام النفس والإحساس بالفشل والإخفاق والعجز وانسداد كل الطرق.

ويجب ألا ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا «ضحايا» و«مهزومين» و«مفعول بنا» دائماً فنحن أنفسنا الفاعلون والذين نتحمل مسؤوليات انخفاض منسوب الرجولة فينا، ولن يفيدنا بشيء أن نلعن أجداد من نجير لهم أسباب ما نحن فيه من عدو خارجي أو داخلي، ففي النهاية لن يخسر إلا نحن ولن يضيع دنياه وآخرته إلا نحن.

لنتفق أننا ضحايا الشياطين الإنسية والجنية، فهل ننتظر من الشياطين أن تهتدي وتعلن توبتها وتعود عن ظلمها وعدوانها؟! وهل نظن أن الرجولة لا تكون إلا في السراء فإذا حلت الضراء عدنا إلى طفولتنا المسحوقة، بالله عليكم أليست التحديات الحقيقية هي محك الرجال؟

ولننظر إلى أجيال الشباب اليوم فالمسألة لم تعد مسألة شوارب بعد أن تخنث الرجال، ولبسوا الضيق والمحزق، وتحلوا بالذهب في أيديهم وصدورهم وأنوفهم وآذانهم، وكشفوا عن بطونهم وظهورهم، وتزينوا بالوشم (التاتو) المقرف في مواقع مختلفة من أجسادهم، وتراقصوا كالقرود في النوادي الليلية والمراقص، أيصح في حال من الأحوال أن يوصف هؤلاء بالرجال؟ أو أن يقال لنا «الله يعطيكم العافية» على هذه التربية.

بيننا قلة من الشباب قدموا أنفسهم للجهاد في الأراضي المحتلة في فلسطين وجنوب لبنان والعراق ـ وأنا هنا أتحدث عن المجاهدين فعلاً لا عن المسرحية الهزلية والبكائية التي تمثل على أعين الناس عن الإرهاب وقطع الرؤوس- وهؤلاء يستحقون وصف الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

ومع ذلك فإن الغرب والشرق ومفكري الأعداء والأصدقاء في أكثرهم وصفوا هؤلاء الرجال بأنهم إرهابيون متوحشون غلاظ وقساة قلوب، أما نحن أشباه الرجال فقد اعتبرنا هؤلاء المجاهدين ورقة التوت الأخيرة التي تستر عوراتنا.

الطريف أن انخفاض منسوب الرجولة وحلق الشوارب رافقه كما يقول الأطباء والباحثون انخفاض في الفحولة والخصوبة خلال الخمسين سنة الأخيرة، وأذكر أنني شاهدت فيلماً لعادل إمام يتحدث عن هذه الأخيرة بشكل كوميدي في إشارة منه إلى ضياع الرجولة ومستلزماتها.

الشباب يتشبهون بالشابات والشابات يتشبهن بالشباب وتضيع معالم وملامح الرجولة كما تضيع معالم وملامح الأنوثة، ويضيع الجيل نفسه في التسكع في الشوارع وعلى الأرصفة وحتى في أروقة وممرات الجامعات، ويكشر الإحباط عن أبشع أنيابه في قتل وقت الأجيال على الطريقة العربية.

ليست المسألة مسألة شوارب ولكنها مسألة فقدان الرجولة وتشويه ملامح الأجيال، مسألة إدبار عن معارك لن تنتظرنا طويلاً حتى تأتي علينا كلنا رجالاً ونساءً وأطفالاً.

إنه زمن حلق الشوارب ونزع الحجاب.... زمن سقوط الرجولة وانعدام الحياء عند النساء.

ألسنا أمام شر بلية يضحك ويبكي