ما من دين من الأديان السماوية سبقت الإسلام وعنيت عنايته بالعلم وجعله حقاً مكتسباً وحفز وشجع عليه وأشاد به، وليس هذا حديث تحيز وإنما تثبته وتؤكده الشواهد القرآنية، ونطالع:
قال تعالى في أول ما نزل من القرآن الكريم على النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم: «إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم» سورة العلق ـ الآيات من 1 ـ 5. ويلاحظ ورود الفعل «اقرأ» مرتين، والفعل «علم» أيضا مرتين، فضلا عن ذكر القلم الذي هو وسيلة الكتابة لما يقرأ.
ومن أوائل السور المكية سورة القلم ويكفيها فضلاً أنها سميت بـ «القلم» وان أول آية فيها القسم العظيم من المولى الكريم، وهذا القسم بالأداة وهي القلم وبالمادة «الدواة» وهي «ن» على ما جاء عند بعض أئمتنا من المفسرين وما يسطر عليه، وهذه الثلاثة هي أداة العلم: قلم يسطر ومداد يبين ما يكتب، ومادة يكتب عليها، قال تعالى:
«ن. والقلم وما يسطرون» سورة القلم ـ الآية الأولى من السورة الكريمة. وأيضا قوله تعالى: «والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور» سورة الطور ـ الآيات 1ـ 3. ومن المؤكد ان الخالق جل شأنه لا يقسم إلا بما له شأن عظيم لفتاً لأنظار الناس إليها. ففي بداية خلق الإنسان .
وانه جاعله في الأرض خليفة، قال رب العزة لملائكته عندما قالوا «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون» الملائكة البررة الأطهار دخل في روعهم ان هذا الإنسان الذي يكون خليفة في الأرض سيدنسها بالفساد وسفك الدماء، ولكن الله العليم بما يخلق رد عليهم بقوله في الآية التالية للتي جاء فيها تساؤلهم:
«وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم، قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون» سورة البقرة ـ الآيات من 31 ـ 33.
وهكذا بين الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ لملائكته أنه باستخلافه للإنسان في الأرض أنما كان ذلك بميزة ميزها به عن سائر مخلوقاته الأخرى وهي «العلم» هذا العلم الذي يعمر به الأرض ويرتقي به فوق المخلوقات كلها، واستحق به ان تخضع له سائر المخلوقات وان يسخر له هذا الكون، ألم يأمر الله سبحانه وتعالى الملائكة ليسجدوا لآدم بعد ان بين لهم ميزته عليهم بالعلم؟
وفي هذا تكريم للعلم الذي تميز به الإنسان عن المخلوقات الأخرى كافة وعن فضل العلم وتأصيلاً لهذا الفضل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم
الإشادة بالعلماء
فإذا كان للعلم هذا الفضل في الإسلام، فمن البدهي ان تكون في الكتاب والسنة اشادة بالعلماء وسمو مكانتهم. قال تعالى: «شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم» سورة آل عمران الآية 18 وقال تعالى: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» سورة المجادلة ـ الآية11.
وقال تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» سورة فاطر ـ الآية 28 وقال عز من قائل: «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعلقها إلا العالمون» سورة العنكبوت ـ الآية 43 ويستنبط من ذلك ان شهادة العلماء في التوحيد لها اعتبارها مع شهادة الخالق جل جلاله وملائكته، وان الذين أوتوا العلم مع الإيمان لهم الرفعة في الدرجات عمن سواهم .
وأن أكثر الناس خشية لله من عباده أهل العلم لأنهم بعلمهم يتوصلون إلى الحقائق الإيمانية التي قد لا يصل إليها من لم يؤتوا حظاً من العلم، وان الأمثال التي يضربها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز لا يصل إلى العمق في فهمها إلا العالمون، وهذه الأمثال هي للعبرة والعظة وحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«العلماء ورثة الأنبياء» فهذا قمة الشرف لهم من الصادق المصدوق فالأنبياء هم الصفوة المختارة من رب الناس لحمل رسالته فهل من تكريم أعظم من أن يكون العلماء هم ورثتهم؟ وعنه صلى الله عليه وسلم: «يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة» رواه ابن عبدالبر، ودماء الشهداء هي أغلى دماء تراق على الأرض عند الله فإذا كان مداد العلماء وزيناً لها عرف ان هذا المداد الذي يكتب به ما ينفع الناس له التقدير الكبير عند الله سبحانه وتعالى.
وفضل العالم على العابد
وان العبادة لها مرتبتها العالية والمقدرة عند الله ومع ذلك يضع الإسلام العلم والعلماء في مرتبة أعلى من هذه العبادة ذات الشأن العظيم، ونتابع هذا التفضيل في السنة النبوية المشرفة من خلال ما ورد من أحاديث شريفة تؤكد على ذلك.
قال عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» رواه النسائي والترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: «قليل العلم خير من كثير العبادة» رواه الطبراني وبالطبع المقصود علم وعبادة في الإسلام، من عالم مسلم وعابد مسلم.
إلا يلاحظ في حياتنا المعاصرة اننا نلجأ إلى العلماء في كثير من المسائل التي يشكل علينا فهمها أو حلها لنجد الإجابة عندهم، وليس الأمر مقصوراً على الفقه الإسلامي فحسب ـ ولو انه أمر حياتية يهمنا نحن المسلمين بالدرجة الأولى لمعرفة شؤون ديننا ولنتفقه فيه ـ ولكن الأمر يتعدى إلى غير ذلك من العلوم الإنسانية.
فنحن نسأل الطبيب العلاج من أمراض تلم بنا، والطبيب يحولنا بالتذكرة الطبية إلى الصيدلاني ليشرح لنا طريقة تناول الدواء أو إلى المختبرات الطبية للفحوصات اللازمة، وقس على هذا الأمر الكثير.. الكثير مما نلجأ إليه في وسائل التقنية الحديثة أو إصلاح السيارة وما إلى ذلك. قال تعالى:
«فسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون» سورة النحل ـ الآية 43 والذكر في الآية الكريمة على ما ذهب إليه علماؤنا هم العلماء بدليل ختام الآية» ان كنتم لا تعلمون.