حياة الإنسان مليئة بصنوف الأشياء المتعددة وحافلة أيضا بالخير والشر فمنها ما يسعده مثل طريق الخير والسعادة ومنها ما يشقيه ويبليه وهو طريق الفتن فهي اما أن تكون هذه الفتن ظاهرة كالمفاسد التي لاتخلو منها بقعة من بقع الأرض أو باطنة.

وهي التي يمتاز بها بعض النفوس البشرية فتنمو هذه الفتن في مخيلتهم محدثة لهم ضجيجا يعكر صفو الحياة السعيدة لهؤلاء؛ فيكون هذا الشقاء والبلاء وبالا عليه وخسارة له في الدارين فليست الحياة كلها حلوة وسعيدة ومفروشة بالأزهار المثمرة بالورود ولكن الحياة حلوة ومرة فيها السعادة والشقاوة.

والنفع والضر فصحيح أن جميع الإبتلاءات سنة ربانية في خلقه ولكن الإنسان لايطلق الأمور على عواهنها دون تدبر أو تفكر في ذلك فقد يكون هذا الشر امتحانا للعبد هل سيصبر اذا ألمت به أم أنه سيجزع ويتضجر من تلك الفتن وسائر الشرور فالحياة دار ابتلاء للإنسان يمتحن بالخير والشر (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) {الأنبياء/35 يقول الشهيد سيد قطب (ب 1966م) عن ابتلاء الإنسان في هذه الحياة بصنوف الفتن إن (الإبتلاء بالشر مفهوم أمره. ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره، ومدى ثقته في ربه، ورجائه في رحمته..

فأما الإبتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان... إن الابتلاء بالخير أشد وطأة، وإن خُيل للناس أنه دونه الإبتلاء بالشر...إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للإبتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف.

ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإبتلاء بالصحة والقدرة. ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم الجامحة في أوصالهم. كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى أنفسهم ولا تذل. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان. وما يغريان به من متاع. وما يثيرانه من شهوات وأطماع!

كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء الجسدي فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم ذلك، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثراء! كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدعة والمرح. ثم لا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويذلل الأرواح!

إن الابتلاء بالشدّة قد يثير الكبرياء ويستحث المقاومة ويجمد الأعصاب، فتكون القوى كلها معبأة لإستقبال الشدّة والصمود لها، أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينميها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة! لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدّة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الإبتلاء!

وذلك شأن البشر.. إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ( عجبا لامر المؤمن إن امره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن اصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) ... وهم قليل!

فليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر. والصلة بالله في الحالتين هي وحدها الضمان...) فمن فارق الصلة الحقيقية بالله تعالى وتخلى عن الاستعانة به ضل ضلالا بعيدا وحاصرته الفتن الظاهرة والباطنة من كل حدب وصوب فقد يصبح صريع الأمراض الحسية والمعنوية ويا لها من مصيبة عظيمة تلحق بالإنسان .

وبعد هذا العرض عن الخير والشر نقول كيف يكون للإنسان أن يقف أمام هذه الفتن الظاهر منها والباطن حصنا منيعا ودرعا واقيا يقاوم موجات الشر العارمة ويحاصر أسباب الفساد المنتشرة بين بعض فئات المجتمع ويجعلها ذليلة لا تُغير من حياة الإنسان شيئا فالمسلم الواثق بربه المتوكل عليه في السراء والضراء لايكون جبانا ولايهاب من الفتن أو يتحسر على فعل فعلة ويندم في امر ما بل يعلم علم اليقين أن ما أصابه سواء أكان ذلك خيرا أو شرا لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه كما جاء في الحديث الشريف.