تولى الله تعالى موسى بعنايته الكريمة منذ اللحظة الأولى لولادته، وكان فرعون يذبح أبناء إسرائيل ويستحيي نساءهم، فأوحى إلى أمه ما أوحى، ثم ربط على قلبها كي لا تحزن وتعلم أن العناية الإلهية ترعاه، وعين الله تحرسه فوجد الأمن في التابوت، وجعل له البحر ملجأ ومناماً.. كذلك تربى في بيت فرعون وبين ذراعي امرأته، والتي طلبت ألا يقتل وأن يظل حياً ـ حين قالت (لا تقتلوه).
«وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون»9 سورة القصص. ثم انه بعد ذلك كله يواجهه القدر بصعاب شتى من آل فرعون وملته، ومن سحرته ومن جنوده. فأيده الله بنصره وثبت فؤاده، وجعل له آيات يتحدى بها فرعون وجنوده والسحرة جميعاً.. ومن هذه الآيات نذكر العصا واليد معززاً بها كلمته ومعلياً حجته.
ولقد وردت في القرآن في عدة مواضع منها ما ورد في سورة الأعراف وطه والقصص والنمل..ولموسى مواقف أخرى مثل انفلاق البحر، واستسقائه لقومه والاثنتي عشرة عيناً، وذبح البقرة وغيرها. ونبدأ هذا البحث بذكر آيات العصا واليد وما كان فيها من رائحة المعجزة التي بهرت خلائق زمانه.
فقد أرسل الله موسى إلى فرعون حيث أنه طغى واستكبر وأكثر في الأرض الفساد والظلم بغير الحق مضطهداً بني إسرائيل قوم موسى، فيطلب موسى من فرعون أن يرسل معه قومه ويوقف اضطهادهم وظلمهم.
فها هو موسى يقول : «إني رسول من رب العالمين » 104 سورة الأعراف. لكن فرعون يكذبه، ويطلب آيات تصدق رسالته والقرآن يصور لنا هذه الواقعة في الآيات التالية :
«قال إن كنت جئت بآية فآت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين» سورة الأعراف. والذي يتتبع الأحداث يجد أن موسى عليه السلام يقول لفرعون ( يا فرعون؟) لم يقل يا مولاي! كما يقول أهل الأمصار لفرعون آنذاك.
لقد ناداه بلقبه فقط في أدب واعتزاز، ودون زيادة في التفخيم، أو مغالاة في المدح للرياء، فناداه ( يا فرعون) ثم عرفه بطبيعة رسالته، ووظيفته ونفسه قائلاً: ( إني رسول من رب العالمين) فكان هذا مشهد اللقاء الأول بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين الدعوة لرب العالمين وبين فرعون مصر الطاغوت الذي يدعي الربوبية من دون رب العالمين.
فها هو موسى يقول: ( قد جئتكم ببينة من ربكم).. وهذه البينة تدلكم على صدق قولي. وباسم تلك الحقيقة الكبرى.. حقيقة الربوبية الشاملة للعالمين.. طلب موسى من فرعون أن يطلق معه بني إسرائيل، والا يستعبدهم ولا يضطهدهم. وموسى بذلك يريد تحرير بني إسرائيل من عبودية الفرعون، ومما يزاوله معهم من تعذيب وسخرة.
فتميز فرعون غيظاً، وراح يثير سخيمة من حوله ويبعث دهشتهم وعجبهم واستنكارهم. واضطربت نفسه، ولج في غضبه، وزاد غيظه، وعجزت حجته. بينما كان موسى مسدد الخطى، يستمد العون والتوفيق من الله العلي..
وعندئذ طلبوا الخارقة - الآية الدالة على صدقه والبينة التي تؤكد نبوته بمفهومهم هم. وكان آنذاك السحر قد ذاع فيهم أمره، واشتهر شأنه، وأتقنوه فليس يباريهم سابق، ولا يبلغ شأوهم لاحق. قال: أي فرعون. ( إن كنت جئت بأية فأتي بها إن كنت من الصادقين ).
طلب ذلك بعد ما غشيه هم واكتئاب ولج به حرصه على ملكه أن يطلب الخارقة. هو بذلك يريد أن يعجز حجة موسى ويكذبه بين الناس حتى لا يثقوا فيه ولا في كلامه ونبوته. ذلك أنه إذا اتضح أن هذا الداعية إلى ربوبية رب العالمين كاذب في دعواه، سقطت دعوته وبطلت حجته وانطفأ برهانه وهان أمره.
ولم يعد لهذه الدعوة الخطيرة من خطر، وصاحبها دعي لا بينة عنده ولا دليل!.. لكن الأمر بالنسبة لموسى لم يكن هكذا، فأمر أن يلقي عصاه لتتحول إلى ثعبان مبين، وكذلك يده تخرج بيضاء من غير سوء. «فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين» سورة الأعراف.
عندئذ غلت مراجل الحقد والحفيظة في صدر فرعون واحتدم غيظه لتلك المفاجأة الغريبة التي فاجأته، مستطيرة الشرر، شديدة الضرر.. إنها المفاجأة! إن العصا تنقلب ثعباناً لا شك في ثعبانيته.. ( مبين) أنها عاصفة هوجاء تقوض ذلك العرش الذي أسس على الزور والبهتان، وراح فرعون يستر مرارة خجله، ويتوعد القوم (ولأصلبنكم.. الخ) قال معمر عن قتاده: فإذا هي ثعبان مبين قد تحولت حية عظيمة.. وقال كذلك: فإذا هي حية كادت تتسوره يعني كادت أن تثبت عليه.