كان أبان بن عثمان بن عفان يحب التفكه والمعابثة، وكثيرا ما يجعل أشعب بن جبير الشهير بأشعب الطماع من مرافقيه في بعض رحلات صيده لهذا الغرض. وروى أبو الفرج الأصفهاني بسنده عن ابن هرمة أنه في إحدى رحلات الأمير أبان بن عثمان ضُرِبتْ له خيمة عظيمة ليستريح فيها.

وإذ كان جالسا رأى أعرابيا قادما يركب جملا هزيلا أشقر أزعر، والأعرابي يبدو عليه أنه غضوب متعجل. فأمر خدمه بإحضاره، فأمروه أن يجيب الأمير أبان بن عثمان بن عفان، فأجاب طامعا أن يناله منه خير. فلما دخل الخيمة وسلم قال له أبان من الرجل فانتسب له، فهتف أبان: الحمد لله أنك من قرابتنا. فازداد الأعرابي بشرا. وظن أنه يوم سعده. فقال له أبان:

يا خال، إني في الحقيقة أبحث منذ زمن عن جمل فيه نفس صفات الجمل الذي معك، من حيث القامة واللون والصدر، فالحمد لله الذي أظفرني ببغيتي عند من أحبه، فهل لك في بيعه؟ فبدت سمات الطمع على الأعرابي وقال: نعم، أيها الأمير.

قال أبان: إذاً أنا أبذل لك فيه مئة دينار! (والجمل لم يكد يساوي عشرة دنانير) فانتفخت أوداج الأعرابي وقال: قد بعتك أيها الأمير.

قال أبان: أيها الخال، إني أعلم أن الجمل لا يزيد عن عشرين دينارا ولكني أحببتُ إكرامك من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن ذلك لقلة النقد عندنا، ولكني أعطيك به عروضا تساوي مئة دينار إن لم تزدْ. فزاد طمع الأعرابي وقال: قد وافقتُ أيها الأمير فأسرّ الأمير إلى أشعب كلاما، فذهب ثم جاء بشيء مغطًّى. فقال له: يا أشعب، أخرج ما جئتَ به وقدمه للخال.

فأخرج أشعب من تلك اللفافة عِمامة من الخز القديم البالي الممزق تعلوها الأتربة والبقع ولا تساوي أربعة دراهم، ثم قال للأعرابي: هذه عمامة الأمير، تُعرف به، لأنه يشهد فيها الأعياد، والجمع، ويلقى بها الخلفاء. فقال أبان: قَوِّمها يا أشعب وراعِ الخال.

قال أشعب: هي والله لا تقوم بالخزائن، ولكن ما دام الأمر لقرابة الأمير فنقوّمها بخمسين دينارا، فالتفت الأمير لكاتبه وقال له أثبتْ هذا المبلغ. وسلم العمامة للخال.

فظهر الغيظ المكبوت على وجه الأعرابي ولكنّ طمعه جعله ينتظر أن يربح في العروض الأخرى. ثم أهاب الأمير بأشعب أن يحضر قلنسوته، فأحضر أشعب قلنسوة أذهب الزمن لونها، وعليها من الوسخ والبقع الشيء الكثير فضلا عن الخروق، وقال أشعب:

قلنسوة الأمير، تعلو هامته، وتزين قامته ، ويحضر بها الصلوات الخمس، ويجلس بها للحكم، وهي تعلو على كل تقويم ولكنها للخال بثلاثين دينارا. فأثبتْ الكاتب الثمن، ثم وُضعتْ بين يدي الأعرابي الذي تربّد وجهه وجحظت عيناه من الغيظ والغضب، ولكنه تماسك. وقال الأمير لأشعب، هات ما عندك، فجاء بخُفَّيْن قديمين، انتشرت فيهما الندوب وقد تقشَّرا وتفتَّقا، وقال:

خفا الأمير يطأ بهما الروضة الشريفة، ويعلو بهما منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقابل فيهما أكابر القوم بأربعين دينارا، فقال أبان لأشعب: ضعهما بين يدي الخال. وقال للأعرابي: أضمم إليك متاعك بارك الله لك فيه. وقال لبعض رجاله: إذهب فخذ الجمل، وقال لآخر: إمضِ مع الخال فاقبض منه ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع وهو عشرون دينارا.

وهنا بلغ الغضب بالأعرابي أشُدّه فوثب وتناول تلك الأشياء وجعل يضرب بها وجوه القوم وهو لا يبالي من تصيب، فقال له أبان: ما الذي أغضبك؟ قال: أتدري أصلحك الله من أي شيء أموت؟ قال: لا. قال: هو أني لم أدرك أباك عثمان لأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك! ونهض كالمجنون فأخذ بخطام بعيره وانصرف. وانفجر أبان ضاحكا. إلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.