كنت اطلعت على محاضرة مطبوعة للدكتور محمد عبدالله دراز، عن الاخلاق في القرآن، ففوجئت بأسلوب جيد يشع أدباً وسلاسة وعلماً بمدارس الاخلاق والفلسفات الاخلاقية، وكان هذا في أواخر الستينات، فقررت متابعة مؤلفات هذا الرجل الاخرى، المنشورة والمترجمة، وذلك لأنه كما علمت كان يؤلف باللغة الفرنسية.

وبعد ذلك يقوم احد اصدقائه بالترجمة الى العربية كما كان يصنع المفكر الجزائري (مالك بن نبي)، فحصلت على كتاب (الدين) وهو بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، فوجدت افقاً واسعاً وعقلاً راجحاً، واخلاصاً في البحث ودأبا حتى يصل بالقارئ الى ما يشفي غلته، فقلت هذا الرجل ليس له من مترك، وانما حقيق بكل باحث ان يتجه الى دوحته ان كان يريد المعرفة الصادقة في الفروق بين الاديان وكنه الدين ذاته، ثم ساق الله الي كتابه الفذ:

(المختار من كنوز السنة النبوية) والذي اشرف على طبعه ومراجعته الاستاذ العلامة عبدالله بن ابراهيم الانصاري ـ رحمه الله ـ وكان مديراً لادارة احياء التراث الاسلامي وكان متفانياً في خدمة التراث، وتم طبعه على نفقة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني امير دولة قطر، ليخرج هذا السفر المبارك في شكل واخراج لائقين بروائع الكلم النبوي العظيم، وتفضل المشرف على الكتاب، بتصديره بنبذة عن المؤلف الهمام فقال:

هو علم شامخ من اعلام النهضة الاسلامية البارزين في مصر في القرن العشرين، وقمة شاهقة بين علماء الفكر الديني والاسلامي، وبحر عميق الاغوار في الثقافات الانسانية والعالمية في العالم نشأ فضيلته في بيت عامر بالتقوى والصلاح، والعلم والعرفان، والسماحة والعطاء، محفوفاً برعاية والده الفاضل الشيخ عبدالله دراز، شيخ علماء دمياط، فاقتبس الفتى الناشئ من فضائل والده المروءة والشهامة، وحب العلم والصلاح.

ومن ابرز صفاته الشخصية، الفطنة والذكاء والحلم والأناة، والتواضع والوداعة والوفاء، والجرأة والصلابة بالحق والاقدام، ومواقفه شهيرة في نشر رسالة الاسلام، والعمل على تبليغها في عالم الغرب.

وعرف فضيلته بلباقة الحديث، ولين العريكة في المعاملة، وحدبه على مرافقيه، فهو الصديق الوفي عند النوائب، والشهم الشجاع في الملمات، والمخلص المنجد عند الشدائد، ولهذا كان حبيباً الى كل من عرفه ورافقه.

كانت ولادته في قرية محلة دياي في محافظة كفر الشيخ سنة 1312ه/1894م.

حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره.

عرف من صغر سنه بالفطنة والذكاء، والنباهة والطموح، وتساميه على اقرانه في العلم والمعرفة، وتفوقه عليهم في اكثر مراحل الدراسة.

انتقل الى الاسكندرية في اوائل سنة 1905م.

التحق بالمعهد الديني بمدينة الاسكندرية، وحاز على الشهادة الثانوية فيها سنة 1912م.

اجازه العلامة الشنقيطي بالتحديث، وهو في طريقه لأداء فريضة الحج في القاهرة، في كتاب الإجازة المنشور لاحقاً.

حصل على شهادة العالمية النظامية سنة 1916م. عين مدرساً فور تخرجه بمعهد الاسكندرية.

انصرف الى دراسة اللغة الفرنسية في المدارس الليلية، حتى كان اول الناجحين في شهادة القسم العالي منها سنة 1919م، اختير للتدريس بالقسم العربي بالأزهر الشريف سنة 1928م، ثم بقسم التخصص سنة 1929م ثم بالكليات الازهرية سنة 1930م، ثم في قسم التخصص بها.

صنف فضيلته كتابه (المختار) سنة 1350ه/ 1932م عندما عهد اليه بتدريس مادتي التفسير والحديث في كلية اصول الدين.

اشرف على طباعة شرح والده على كتاب «الموافقات للشاطبي».

قصد فضيلته بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج سنة 1355ه/1936م. ثم اختير مبعوثاً من الجامعة الازهرية الى فرنسا للالتحاق بجامعة السوربون في باريس، فأمضى خاج القطر المصري اثني عشر عاماً من غرة ربيع الأول، سنة 1355هـ إلى سلخ ربيع الثاني سنة 1367هـ (مارس 1937 ـ 1948م)..

حاز شهادة الليسانس من السوربون سنة 1940م، واخذ في الاعداد والتحضير لرسالتي الدكتوراه باللغة الفرنسية، الأولى عنوانها «القرآن» وهذه الرسالة لم تنقل الى العربية بعد.

والثانية: ترجم المؤلف عنوانها في «النبأ العظيم» ـ الطبعة الثالثة ـ سنة 1389هـ ـ 1969م «دستور الأخلاق القرآنية».!

وهذه الرسالة نقلها الى العربية وحققها وعلَّق عليها د. عبدالصبور شاهين، وصدرت الطبعة الأولى بالعربية سنة 1393ه/1973م بعد مضي ربع قرن ونيف من ظهور الرسالة بالفرنسية واستغرق المؤلف في كتابة هذه الرسالة بالفرنسية ما يقرب من ست سنوات (1941/1947م) .

وقد نوقشت هذه الرسالة امام لجنة مكونة من خمسة اعضاء من اساتذة جامعتي السوربون، والكوليج دي فرانس قوامها الاساتذة: (لويس ماسينيون)، (ليفي بروفنسال)، (لوسن)، (فالون)، (فوكونيه) في الخامس عشر من شهر ديسمبر سنة 1947م، ومنحته اللجنة الفاحصة شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف العليا.

وعاد فضيلته من فرنسا الى مصر في شهر مارس 1948م وحصل على عضوية هيئة كبار العلماء في مصر سنة 1949م، وامضى تسعة اعوام اخرى في مصر، ونيطت به شؤون علمية، على عجل من ابرزها:

أ-إلقاء محاضرات في علم تاريخ الأديان ـ بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

ب- محاضرات في فلسفة الاخلاق ـ بقسم التخصص بالجامعة الازهرية.

وخلال مكث فضيلته بمصر اسند اليه العمل في كثير من اللجان بالاضافة الى قيامه بالتدريس بالجامعة فيها: العمل في اللجنة العليا السياسية للتعليم. العمل في المجلس الأعلى للاذاعة، العمل في اللجنة الاستشارية للثقافة بالأزهر المعمور، الى جانب اختياره في المؤتمرات الدولية والعلمية ممثلاً لمصر والازهر الشريف.

وعرض على فضيلته ان يتولى مشيخة الازهر سنة 53 فرفضها بسبب القيود التي كان يتضمنها العرض، اعتزازاً بدين الله واخلاصا له. صدر للمؤلف مجموعة من المؤلفات القيمة منها ـ باللغة العربية ـ كتاب «الدين» وهو بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، وقد نشره عام 1371ه/1952م، والكتاب جديد في موضوعه ومادته ومنهجه ـ باللغة العربية.

ومن بحوثه باللغتين ـ العربية والفرنسية ـ: «مبادئ القانون الدولي العام في الاسلام» و«الربا في نظر القانون الاسلامي» و«الازهر ـ الجامعة القديمة الحديثة».

ثم استجاب لما كان يتلقاه من ابنائه الطلبة، وزملائه الاساتذة من رسائل لمتابعة بحوثه في القرآن، التي ابتدأ بها، ولم يتيسر له اتمامها وطبعها، لظروف خاصة في حينها احاطت بالمؤلف، الى ان اذن الله بالعون، فأنجز ما ابتدأ به واصدرها تحت عنوان «النبأ العظيم»، وأخذ هذا الكتاب اهبته للخروج من نطاق الثقافة الجامعية الى فضاء الثقافة العالمية كي يتحدث الى كل واع، وكل عاقل ناقد، والى كل ذي قلب بصير.

ومن مؤلفات المؤلف كتابه: «نظرات في الاسلام» وغيره.. الى جانب الجم الغفير من مقالاته الممتعة، الغنية بالافكار الواسعة، التي كان يمد بها المجالات العلمية والادبية ومحاضراته التي كان يطالع بها المسلمين من محطة الاذاعة فترطب القلوب الجافة وتنير الطريق الى الحق والخير.

ومن لوازم الشيخ رحمه الله وعرف عنه، انه كان يقرأ كل يوم سدس القرآن، وما ترك هذه العادة يوماً واحداً حتى في إبان محنة الحرب العالمية التي عاصرها في فرنسا، وما كنت تراه اذا اختلى بنفسه الا مصلياً او قارئاً للقرآن.

واستمر فضيلته في نشاطاته المختلفة عاملاً، وباهتماماته في معالجة الشؤون الاسلامية منصرفاً حتى وافاه الأجل المحتوم، ملبياً دعوة ربه، ليأنس بجواره ورضوانه عشية يوم الاثنين الواقع في السادس عشر من شهر جمادي الثانية سنة 1377 هـ والموافق للسادس من شهر يناير سنة 1958، عندما كان في لاهور بباكستان ممثلاً لمصر، في مؤتمر الثقافة الاسلامية فتناقلت وكالات الأنباء نبأ وفاته، واذاعت محطات الاذاعة نعيه في جميع انحاء العالم..!

أما كتاب النبأ العظيم، فهو كتاب ناقش ظاهرة الوحي، ورد بعمق على شبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحي، وهل هو نتيجة مرض نفسي وعصبي، أم استبطان روحي داخلي، ام ان مصدره من خارج الذات المحمدية؟!

وهل نقل محمد صلى الله عليه وسلم القرآن عن احد من اهل الكتاب، ومن ذا الذي يكون علمه؟!

ولكن اذا لم يكن القرآن من عند الله والوحي صحيح، فكيف نفهم ان الشواهد العلمية التي حدثت مؤخراً في القرن العشرين والتي لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم ولا احد من قومه ولا احد من معاصريه كالحقائق العلمية الخاصة بالأجنة في بطون امهاتها ودوران الافلاك في مساراتها وحدوث الليل والنهار وكروية الأرض وانفصال المياه العذبة عن المياه المالحة في الملتقى الواحد وغير ذلك لا يتصور مطلقاً انه من تعليم بشر، او صاحب دين من الأديان السابقة..!

ثم الاعجاز البياني والبلاغي الذي هو آية معجزة من معجزات القرآن ما استطاع احد اياً كان حتى اليوم محاكاته او مضاهاته او منافسته، ألا يحمل ذلك باختصار شارة النسبة الإلهية وليست البشرية؟!

والإعجاز التشريعي الذي جاء به القرآن للعالم ليدل على نسبته الالهية ايضاً، اذ لولا هذه النسبة لما بقي تشريعه صالحاً لعلاج امر جماعة المسلمين اينما كانت، حتى ان ارقى المدنيات لتأخذ عنه من هذه التشريعات وتنقل عنه ما حفل به من حفظ لحقوق الانسان وكرامته، وحتى بعد كل هذه القرون مازالت تشريعات الاسلام في الذروة السامقة من تشريعات البشر، ذلك ان تشريع الصانع لصنعته يختلف ولابد عن تشريع المصنوع لنفسه، وصدق رب العزة: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟!).

ويمضي مستعرضاً آيات التذوق الجمالي في القرآن، كأستاذ خبير، لم يصل الى قمته قلم غيره..!واقتنيت رسالة الربا التي وضعها وطبعها بنك فيصل الاسلامي ووزعها هدية على المسلمين واثبت فيها ان تحريم الربا في الاسلام جاء متدرجاً كتحريم الخمر تماماً، وكانت المرة الأولى التي اقرأ فيها هذا الفهم البديع، فشكر الله له، وجزاه عن الاسلام وأهله خير الجزاء، ونفع الله به المسلمين، ودحض بفكره اعداء الأمة المتربصين بها، والمتربصين لكتابها المنزل من عند الله تعالى.