شهر رمضان وما فيه من صيام وقيام وطاعة لله عز وجل، يقوي الجانب الروحي في الإنسان، الأمر الذي يجعله يتحمل مشقات العبادة وهو في حالة من الرضا والسعادة، فهو يحب أداء الواجبات الإسلامية حبا جما، لأنه قائم على حبه لله تعالى.
ومن كان هذا حاله في رمضان، فإنه يتمنى أن تكون السنة كلها رمضان لما فيه من فضل عظيم وسعادة روحية حقة، لذلك ترى المسلمين المخلصين يجتهدون في محاسبة أنفسهم ومجاهدتها لتستزيد من العبادات والطاعات في رمضان وعلى مدار العام.
قال تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» (العنكبوت 69).
إن مجاهدة المسلم لنفسه لا تنحصر في شهر رمضان وحسب بل يجب أن تشمل حياته كلها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وعندما قيل له لما تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا.
قال الإمام علي رضي الله عنه: رحم الله أقواما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى، قال الحسن: أجهدتهم العبادة
قال تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة (المؤمنون 60).
قال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر ويخافون ان لا ينجيهم ذلك من عذاب الله. ولكي يرتقي الصائم في صومه إلى مرتبة صوم الخصوص عليه أن يجاهد نفسه ويقومها من جهة أعضاء الحس كغض البصر وحفظ اللسان وكف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه وكف بقية الجوارح عن الآثام، وله أن يشبه بالصالحين في مجاهدتهم لأنفسهم بغية الوصول لما وصلوا إليه.
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاقب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدق بأرض كانت له، قيمتها مئتا ألف درهم.
إن الإيمان أمن وطمأنينة، وإن الطاعة سعادة وراحة وإن اليقين بالحساب والجزاء والعمل لذلك لهو النعيم كل النعيم، ولندير قول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. (رواه ابن ماجة والترمذي).
وقد بشر المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه من أفنوا شبابهم في طاعة الله ومن خافوا من الله عندما هيئت لهم المعاصي، فقال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (متفق عليه).
وفي اطار مجاهدة النفس تجد العبد الصالح يستثمر أوقات رمضان ليقطع اشواطا روحية أخرى في درب الطاعة والتقرب إلى الله كي ينعم بصيامه ويشعر بالسعادة التي تدفعه للمزيد من العطاء والجهد عسى أن يتقبل الله منه، والأمر هنا يشمل الرجل والمرأة والاولاد، فالجميع مطالب بمجاهدة النفس حتى لا يكونوا فريسة للشيطان ورجله وحتى تكون حياتهم مستقرة هادئة سعيدة. فالشاب الذي يستغل شهر رمضان وصومه وسائر عبادته في مجاهدة نفسه من أجل السمو الروحي يصير أشبه بالملائكة.
روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد، فيقول أيها الشاب التارك شهوته لأجلي، المبذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي.
فينبغي أن يتفقد العبد نفسه في جميع أوقاته، فإذا كان فارغاً من الفرائض وقدر على الفضائل ينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها، فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون، والأرباح تنال بمزايا الفضائل، فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته. قال تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا ) (القصص 77) روي عن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له. المسلم الذي يجاهد نفسه كي يبعدها عن المآثم ويتفانى في طاعة ربه ويكثر من أنواع التقرب إلى الله في رمضان وفي غير رمضان يزيل عنه الأكدار ويرضيه ويفتح له طرق السعادة والسيادة.
روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، (رواه أبو الشيخ بن حبان والبيهقي).
روي عن الحسن قال: عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. والرسول صلى الله عليه وسلم يوضح للمسلم كيف يجتاز هذه العقبة.
عن أم الدرداء وعن أبي الدرداء رضي الله عنهما قال: قلت له مالك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان»، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن وراءكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون (أي أصحاب الغنى) فأنا أحب أن أتخفض (أي أكون خفيف السؤال) لتلك العقبة. (رواه الطبراني باسناد صحيح).
وهذه بعض أحوال الذين جاهدوا أنفسهم واجتهدوا في عبادتهم من أجل لحظة رضا تملأ حياتهم سرورا وآخرتهم نعيما.
قال عبدالله بن داوود: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فرشه أي كان لا ينام طول الليل. وقال القاسم بن محمد: غدوت يوما، وكنت إذ غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها، فغدوت يوما إليها، فإذا هي تصلي صلاة الضحى وهي تقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم. (الطور 27). وتبكي وتدعو وتردد الآية، فقمت وذهبت إلى السوق، فقلت أفرغ من حاجتي ثم أرجع، ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد الآية وتبكي وتدعو.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر، وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم، عليهم غبرة الخاشعين. وقيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم نوراً من نوره.
وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:
* اللهم ارزقني ليلة القدر، واجعل اسمي في هذه الليلة من السعداء وإحساني من عليين، واساءتي مغفورة، اللهم ارزقني فيها ذكرك وشكرك وطاعتك وحسن عبادتك، سبحانك، سبحانك، أبواب مناجاتك لمن أمك مشرعة، اللائد بك آمن، والراغب إليك قائم، والقاصد لبابك سالم، سبحانك، سبحانك، يا من دعاه المضطرون فأجابهم، ولجأ إليه الخائفون فأمنهم، وعبده الطائعون وحمده الشاكرون فأثابهم سبحانك سبحانك، عز جاهك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ياذا الجلال والإكرام ياالله.
* اللهم انا نتقرب إليك في هذا الشهر الكريم بكل عمل عملناه ابتغاء مرضاتك فتقبله يارب يا رحيم، يا مالك يوم الدين، سبحانك سبحانك يا من وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك، سبحانك سبحانك، لا تنال طاعتك إلا بتوفيقك، ولا تنال درجة من درجات الخير الإ بك سبحانك سبحانك أنت أنت الله الواحد القهار ولا حول ولا قوة إلا بك.