التوبة واجبة في كل وقت ومن كل ذنب، ولكنها في رمضان ألزم وأوجب لأنه موسم طاعة، وصاحب المعصية لا يوفق للطاعة ولا يؤهل للقرب، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان، وإن قيد الذنوب يمنع عن المشي إلى طاعة الرحمن، وإن ثقل الذنوب يمنع الخفة للخيرات والمسارعة في الطاعات فتجد القلب في ظلمة وقسوة وبُعد عن الله وجفوة، فكيف يوفق مثل هذا للطاعة ؟
أو كيف يصلح للخدمة؟ أو كيف يدعى للمناجاة وهو متلطخ بالأقذار والنجاسات؟ فصاحب المعاصي المصر عليها لا يوفق إلى الطاعة فإن اتفق فبكد لا حلاوة فيه ولا لذة ولا صفوة ولا أنس ولا بهجة، وإنما بمعاناة وشدة، كل هذا بسبب شؤم الذنوب. وقد صدق الرجل حين قال: حرمت قيام الليل سنة بذنبٍ عملته. وعندما قيل للحسن لا نستطيع قيام الليل، قال قيدتكم خطاياكم.
فلابد من التوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء ودوام الاستغفار وكثرة الإلحاح والتضرع إلى الله بالقبول وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار. ومسألة التضرع هذه والافتقار والدخول على الله من باب الفقر والانكسار تكاد تكون مفقودة.
ورد عن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال يا محمد من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله قل أمين فقلت أمين، قال يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله قل أمين فقلت أمين، قال يا محمد من ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل أمين، فقلت أمين» رواه الطبراني وصححه الألباني.
فدعاء يدعو به جبريل ويؤمن عليه النبي الأمين صلى الله عليه وسلم هل تظن أنه يرد، وليس في ذلك شيء من العجب فإن رمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة، وأسبابها ودواعيها متيسرة، والأعوان على الطاعة والعبادة كثيرون، أبواب الجنة مفتحة لا يغلق منها بابٌ، وأبواب النار مغلقة لا يفتح منها بابٌ، ومردة الجن مصفدة، ولله عز وجل عتقاءُ من النار .
وذلك كل ليلة، فمن لم تنله رحمة الله مع كل هذه الأمور فمتى تناله إذن؟ ومن لم يكن أهلاً للمغفرة في هذا الموسم فمتى يتأهل لها؟ ومن لم يطهره البحر اللجاج فأي شيء يطهره؟ إذا الروض أمسى مجدباً في ربيعه ففي أي حين يستنير ويخصب.