خلق المؤمنين الصادقي الإيمان الذين لا يجدون في صدورهم حسداً لأحد أو غيظاً وإحنة على أحد بل يفضلون من سواهم على أنفسهم وأولادهم وزوجاتهم لما يعلمون في ذلك من الثواب العظيم، وبذلك بلغوا أعلى منازل الكرم والسخاء والإحسان .
حيث إن الإيثار يفوق الجود والسخاء لأنه ترك الشيء للغير وإيثاره به مع الحاجة إليه أما الجود فدونه منزلة لأن الإنسان يعطي الأكثر ويبقي له شيئاً أو يبقي له مثل ما أعطى، ودونهما في المنزلة السخاء الذي لا يتأثر صاحبه بالبذل ولا يصعب عليه لوجود ما يزيد عليه لديه.
والإيثار درجات وأنواع كما أوضح العلماء وهي كالتالي:
ـ إيثار الغير على النفس وتقديمهم وتقديم مصالحهم كأن تطعمهم وتجوع، وتسقيهم وتظمأ وما شابه ذلك بحيث لا يؤدي إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين، مثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلاً تسأل الناس، أو أن تؤثرهم بما يضر دينك فهذا سفه وحمق ويذم المؤثر عليه، ومثله أن تؤثر بما يفسد وقتك ويشغل قلبك وفكرك بما لا يتعين عليه فيصرفه عن الاشتغال بالله وهذا قال عنه العلماء: إنه إيثار الشيطان على الله من دون علم الإنسان لأنه يضر بصلاح القلب وحاله مع الله.
وهناك إيثار كرهه الفقهاء وحرمه بعضهم كأن تؤثر غيرك بالصف الأول في الصلاة أو بالقرب من الإمام يوم الجمعة أو بالآذان والإقامة أو بعلم يحرم نفسه منه لغيره. ـ ومن أنواع الإيثار:
إيثار رضا الله سبحانه وتعالى على غيره: وهو أن تبتغي بقولك وفعلك رضا الله دون الالتفات لما سواه فالهدف هو القرب منه سبحانه ونيل رضاه حتى لو كان في ذلك غضب الخلق وهذه درجة أعلى في الإيثار من سابقتها اتسم بها من تجرد للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى .
وفي صدارتهم الأنبياء والمرسلون فيحتملون عداوة القريب والبعيد في الله تعالى ويؤثرون رضا الله ولا يأخذهم في إيثاره لومة لائم، وهؤلاء عندهم المحن ويصبرون عليها فتصبح منحاً ويتحول التعب في أعينهم راحة ويتلذون بذلك طالما أن الهدف الله ولسان الحال لديهم «لو لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي»، فهم أدركوا أن رضا البشر غاية لا تدرك ومقصد لا ينال وبالتالي فالمتحقق سخطهم، ولأن يسخطوا عليك في رضا الله أنفع من أن يسخطوا عليك وهو عليك ـ سبحانه ـ ساخط فتسر دنيا وأخراك وتختار مضرة الله لك لسخطه عليك. قال بعض السلف:
«لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة، إك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها». وقال الشافعي: «رضا الناس غاية لا تدرك؟ فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه»، وصلاح النفس لا يحصل إلا بإيثار رضا الله مولاها على غيره. ـ ومن أنواع الإيثار:
أن تنسب إيثارك دون نفسك (وهو إيثار الإيثار لله) وأنه هو سبحانه الذي تفرد بالإيثار لا أنت؟ فكأنك أسلمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء فإن الله هو الذي آثره على الحقيقة لا أنت، إذ إنه هو المعطي حقيقة، لأن العبد لا يملك شيئاً أصلاً. وقد امتدح القرآن الكريم الأنصار بأنهم يقدمون حاجة غيرهم على حاجة أنفسهم على الرغم من احتياجهم إليها فقال سبحانه وتعالى في ذلك: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصه ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون».
وفي هذا إشارة إلى أن طريق الفلاح هو الإيثار، وقال سبحانه وتعالى أيضاً في حال الأبرار الصالحين الذين يقدمون الطعام للمساكين واليتامى والأسرى في حال حبهم وميلهم واشتهائهم إليه: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً» وبذلك نالوا البر في أرقى درجاته حيث انطبقت عليهم الآية الكريمة: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون».
وقد ضرب لنا السابقون الأولون أروع الأمثلة في الإيثار فرأينا في مجتمع الصحابة النقي الطاهر من يقول لأخيه إليك نصف مالي وهاتان زوجاتي اختر أيهما شئت فأطلقها وتقضي عدتها وتتزوجها، وعلى الجانب الآخر نجد أخاه متعففاً لا يقبل وإنما يطلب أن يدله على السوق ليمارس التجارة. ورأينا أروع من ذلك في الإيثار ففيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود (أي متعب من الجوع)، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلت كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من يضيف هذه الليلة؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحلة فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني قال: علليهم بشيء وإذا أراد والعشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
«لقد عجب الله م صنيعكما بضيفكما الليلة». ما أروع هذا الأنصاري الصحابي الجليل الذي لم يذكر اسمه والذي تعجب الخالق سبحانه من صنيعه هو زوجه وإيثارهما ضيفهما عليهما وعلى أولادهما، فالقصة جمعت من مكارم الأخلاق وصنائع المعروف الكثير وكل هذه دروس وعظات ناضرة قاضت بها حياة الرعيل الأول من سلفنا الصالح الذين اقتدوا برسولهم الكريم عليه الصلاة والسلام فزادهم الله إيماناً على إيمانهم وهدى على هداهم.
أما الصبر والاحتمال والزهد في القصة يتجلى في بيت النبي الذي لا يوجد فيه غير الماء، وأما إكرام الضيف والعناية به يتجلى في نهوض الأنصاري باستضافة الغريب ولم يكن في بيته سوى طعام صبيانه ولكن حركة قول النبي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه..» .
وأما الإيثار قد تجلى في تقديمه جميع ما عنده من طعام وحرمان النفس والزوجة والأولاد منه مع مراعاة أحاسيس ومشاعر الضيف لذا بشرهما النبي بثمرة إيثارهما ورضا الله عنهما وحبه لهما ونزل قوله تعالى: «والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولا كان بهم خصاصه ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون».
وما أروع الأشعريين وإيثارهم فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو «أي فرغ زادهم أو قارب الفراغ»، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إيثار واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم» متفق عليه.
سبحان الله يجمعون ما لديهم في ثوب واحد حتى لا يشعر أحد بمنة أحد عليه فهلا تشبهنا بهم واقتفينا أثرهم ليكون الجزاء حب الله ورسوله كما قال النبي «فهم مني وأنا منهم».