قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) والمعنى: ليس مثل صفته شيء فكافٍ التشبيه بمعنى: مثل، ومعنى: «مثله» في الآية صفته، وصفته جل شأنه هي مجموع أسمائه الحسنى، وهي لا تحصى بعضها نعلمه، وبعضها لا نعلمه.

فما نعلمه منها تسع وتسعون اسماً نذكره بها ونقتدي به جل شأنه فيما يحق لنا أن نقتدي به فيها، فنكون رحماء، لأنه رحيم، ونكون حلماء، لأنه حليم، ونكون كرماء لأنه كريم، إلى آخر ما هنالك من الأسماء التي لنا فيها أسوة.

والدليل على أن لله أسماء أخرى غير هذه الأسماء التي نعرفها دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في بعض كتب السنة، وهو قوله: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك ـ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري وذهاب حزني، وجلاء همي وغمي».

والسميع البصير من أسمائه الحسنى التي أحاطنا الله بها علماً في كتابه العزيز وذلك في نحو أربعين آية.وفي كل آية ذكر فيها هذان الاسمان العظيمان تحمل لهما مدلولاً خاصاً يأتلف مع غيره ولا يختلف.

ومجموع هذه المعاني أربعة. المعنى الأول: وهو المتبادر إلى الذهن لأول وهلة: أن السميع هو الذي وسع سمعه الأصوات فلا يغيب عن سمعه صوت ولا يشغله صوت عن صوت ولا يخفى عليه صوت دبيب النملة أو حركة الذرة، أو ذبذبات الصخور في أعمق أعماق البحار، أو في أعلى أعالي الجبال، بل لا يغيب عن سمعه المعدومات.

وهي التي لم تدخل في حيز الوجود بعد، فلا يقولن قائل: إن سمعه وسع أصوات الموجودات كلها، ويكتفي بهذا فإن علم الله عز وجل كما وسع الموجودات والمعدومات فسمعه كذلك، وقد علمت أن أسماءه الحسنى وأوصافه العلى كمالية، وأن له الملك والملكوت والملك: ما لاح وظهر، والملكوت ما غاب واستتر.

فكل مسموع في الوجود أو في العدم فقد وسعه سمع الله. والمعنى الثاني: وهو أنه جل شأنه يعلم ما تحمله هذه الأصوات من معانٍ ودلالات وما وراء هذه المعاني من مقاصد ومرام، وما وراء هذه الدلالات من أهداف وغايات.

ويتبع هذا وذاك المعنى الثالث: وهو أنه جل شأنه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء عنه بإرادته النافذة وحكمته البالغة وقدرته المنفذة.

ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه : «اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع أي: لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع».وقول المصلي: سمع الله لمن حمده. أي: قبل الله حمد من حمده.

ويتبع هذه المعاني الثلاثة معنى آخر لا ينفك عنها وهو إثبات هذه الصفة له جل شأنه لتدخل في باب المعتقد إذ لولا أنه وصف نفسه بالسميع ما وصفناه به لاعتقادنا أن الوصف بالعلم يشمله فالعلم بالضرورة سميع بصير خبير محيط.

فنحن إذاً مأمورون بأن نعتقد أن له سمعاً، ولكن ليس كأسماعنا فهو يسمع بذاته من غير آلة ولا حاسة.وقد جاء في دعاء زكريا ـ عليه السلام ـ من سورة آل عمران: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء).

وقد دعاه بقلبه دعاء لم يسمعه أحد من العالمين، كما قال جل وعلا في سورة مريم: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفياً).ومن ذلك قوله تعالى في أول سورة المجادلة: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير).

فقد جاءت خولة بنت ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تجادله في شأن زوجها الذي قال لها: أنت عليّ حرام كظهر أمي، فلما قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم أراك قد حرمت عليه، خرجت وهي تقول بصوت خافت : إلى الله اشتكي، فأنزل الله بعد هذه الآية التي تبين حكم الظهار، وفيها حل لمشكلتها، ومشكلة من هي على شاكلتها .

فقد سمع الله قولها وجدالها، وقضى لها من شكواها بما فيه خير لها ولزوجها.