الحمد لله الذي كرم الإنسان وميزه بالعقل وفضله على كثير مما خلق تفضيلاً، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد يقول تعالى: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم» هذه النعم لا تحيط بها العقول ولا الأفهام.

ومن أعظم تلك النعم التي أنعم الله بها على الإنسان وفضله بها على سائر المخلوقات هي نعمة العقل، لأن العقل المحطة الأولى للإنسان وميزانه الحقيقي الذي يزن به أمور الحياة وبالعقل أصبح الإنسان مدركاً لما حوله من الأمور.

وبه استدل على خالقه، وعرف الخير والشر والصالح والطالح، لذلك يجب أن نعرف حق العقل ونعمه وكيف نحافظ عليه، لذلك نجد أن الإسلام جعل العقل مناط التكليف في الأعمال ودليل الثواب والعقاب، وقد جعل القرآن الكريم التفكير في أساس العقل حيث قال سبحانه وتعالى:

«وفي أنفسكم أفلا تبصرون» وقد ذكر القرآن الكريم كلمة العقل وما حولها من كلمات دالة على نفس المعنى حوالي تسع وأربعين مرة، لذلك أمرنا الإسلام بحفظ العقل بمعرفة حقه علينا فنصونه من كل ما يؤذيه ونهانا أن نعمل أو نتناول كل شيء يضر بالعقل أو يفسد التفكير الضعيف مسير العقل بكل أنواع المحرمات، لذلك يجب أن نفهم ما هو العقل حتى نعرف حقه علينا. يقول أهل العلم إن العقل عقلان: غريزي ومكتسب.

فالغريزي هو ما نسميه بالمقدرات العقلية من فهم وإدراك وفقه واتساق في الكلام وحسن تصرف.. إلخ. والعقل الغريزي هو مناط التكليف فمن لا عقل له لا يكلف، ومن فقد بعض مقدراته العقلية فإنما يكلف بحسب ما بقي له من عقل، لذلك يجب أن نفهم أخي المسلم، أن العقل هو ما يعقل به حقائق الأشياء ومحله الرأس وهو مأخوذ من عقال البعير.

ويمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل، يعني الاتزان والتحكم والسيطرة على التصرفات من الفرد على نفسه والتعقل من الفرد على غيره، وذلك واقعياً ينتج عن الموازنة بين الأمور، إلا أن الفرد يوازن بين أمرين أو خيارين من عدة خيارات ليظهر فعل الإنسان تجاه الأمر المختار بينهما، إذن فبالعقل يعرف الإنسان على أنه مدرك وعاقل أو لا وجاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرحه للعقل:

إن العقل عقال من الجهل والنفس من أخبث الدواب فإن لم تعقل حارت فالعقل عقال من الجهل وأن الله خلق العقل فقال له: اقبل، فأقبل، وقال له، أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى، وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعظم منك ولا أطوع منك، بل أبدأ وبك أعيد، لك الثواب وعليك العقاب.

فتشعب من العقل الحلم، ومن الحلم العلم ومن العلم الرشد، ومن الرشد العفاف ومن العفاف الصيانة ومن الصيانة الحياء، ومن الحياء الرزانة ومن الرزانة المداومة على الخير ومن المداومة على الخير كراهية الشر ومن كراهية الشر طاعة الناصح، فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير ولكل واحدة من هذه العشرة الأصناف عشرة أنواع.

وكان العقل بدايتها، فهذا هو حق العقل، لمن أراد أن يعرف طريق الخير ويصل إليه لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون»، نعم أخي المسلم لابد أن نعقل ونفهم حق العقل ونجتهد في حمله على الخير لأن من نعم الله على الإنسان أن منحه ديناميكية التفكير دوماً بما هو له وما هو لغيره .

وهذا الإدراك السليم في فهم معادلة مدى أحقية الذات وكم من فضائل الله على خلقه من البشر أن ميزهم بالعقل الراشد لأن العقل زينة الإنسان لذلك نجد أخي المسلم أن العقل له أهمية عظمى لأنه مفتاح التكليف الذي به نعرف حقوق الآخرين علينا بعدما عرفنا الله عليه عن طريق العقل الذي به اهتدينا إلى الخير الذي هو هذا الدين العظيم وبه ميزنا حياتنا عن الآخرين، لذلك ينبغي على المسلم أن يحافظ على عقله عن كل المحرمات لأنها حرام وله المباحات لأنه تعود القلب القسوة ويقول صلى الله عليه وسلم:

«أبعدكم عن الله صاحب القلب القاسي وما العقل إلا المرشد والدال على الخير والمغذي للقلب بالطاعات فأجهد نفسك أخي المسلم في المحافظة على عقلك لأنه أساس رشدك وعملك وكرامتك بين الخالق والمخلوق وعزة نفسك بين الخلق، فاحرص على حقه تنعم بالخير. والحمد لله رب العالمين.

د. سيف الجابري