لم تعد استعمالات التكنولوجيا تقتصر على أشكال محدودة في الحياة الاجتماعية لقد تغيرت هذه الحياة، وتغيرت معها أنماطها وأشكالها حتى توسعت «الغربة» بين جيلي الآباء والأبناء وأصبح الحد الفاصل بين الجيلين أوسع من أي وقت مضى.

يقول رجل أعمال أردني ـ يشرف على مسجد قام بتشييده في أحد الضواحي الغربية في العاصمة الأردنية الذي يسكنه أثرياء المملكة ـ «إنه سيقوم بتقديم خدمة الانترنت لرواد المساجد من رجال الأعمال لكي يبقوا على تواصل مع أعمالهم أثناء اعتكافهم وتفرغهم للعبادة خلال الشهر الفضيل».

إلا أن العديد من أهل عمان الشرقية ـ الفقراء ومتوسطي الحال ـ استقبلوا هذا الخبر كما يستقبلون «النكات» خصوصا وأنهم فهموا من هذا التوجه «أن عمل الخير والإحسان بدأ لدى البعض يوجه للأغنياء أنفسهم، بدلا من أن يكون موجهاً بالكامل إلى المحتاجين والفقراء، وهو ما يعني نسفاً كاملاً لفكرة الصدقات والإحسان في المجتمع الإسلامي».

ولا تنقص رجل الأعمال ذاته الذي فضل عدم ذكر اسمه على اعتبار كونه ـ فاعل خير ـ الحجة فقد اعتبر أن استخدام تقنيات الاتصال الحديثة في المساجد لا يتعارض مع حرمتها الدينية بل ذهب إلى ابعد من ذلك حينما أكد على أن إدخال خدمة الانترنت إلى المسجد سيسهم في إعادة الدور الحقيقي للمسجد في خدمة المجتمع وإصلاحه وليس كمكان معزول للعبادة فقط.

أحد المصلين في المسجد اعتبر هذا التوجه مضحكاً وغريباً ويبتعد عن فكرة كون مكان العبادة «المسجد» وضع أساساً للعبادة وللعلم وليس لجمع المال، مشيرا إلى فكرة رجل الأعمال عندما قال «إن خدمة الانترنت في المسجد تهدف إلى خدمة رجال الأعمال أثناء اعتكافهم».

وأضاف أبو عبد الرحمن الطراونة: بهذا التصرف أخطأ الرجل مرتين أولا بإلهاء رجال الأعمال الراغبين الاعتكاف في المسجد للعبادة والصلاة وتلاوة القرآن بتوجيههم نحو أعمالهم المالية وعدم انقطاعهم عنها ما ينسف فكرة الاعتكاف ذاتها، وهو أمر محرم في الدين، مشيرا إلى الحديث النبوي الذي يأمر المسلم الذي ضيع مالا في المسجد ألا يسأل المصلين عنه، وذلك لحرمة المسجد كمكان عبادة لله وترك ملذات الدنيا بما فيها نهائيا إلى حين الخروج من المسجد.

أما الأمر الآخر فهو ألغى أهداف المساجد التي يجتمع بها المسلمون للعبادة والصلاة وليس لجمع المال.

وفرق الطراونة بين حديث المسلمين في العلم وأحوال المسلمين الذي يدور في العادة بين المصلين في المسجد وبين حديثهم في ملذاتهم وأموالهم وتجارتهم. وقال إن الأمرين مختلفان تماما.

التكنولوجيا وصلة الرحم

والتكنولوجيا باتت تحاول وضع أسس جديدة للعلاقات الإنسانية بين الأقارب والرحم. فمع تعدد وتطور وسائل الاتصال الحديثة تغيرت بعض أساليب صلة الأرحام التي شدد عليها القرآن الكريم وحثت عليها السنة النبوية، وأخذت هذه الأساليب أشكالاً جديدة فبعد أن كان الفرد يقطع المسافات لزيارة قريب له سواء من الدرجة الأولى كالأب والأم والأخوة أو من الدرجات الأخرى للأقارب بات اليوم يستعيض بالهاتف النقال أو للاتصال أو لإرسال رسالة )سحس( والتي غالبا ما يكون تلقاها من أحد أصدقائه أو أقربائه الآخرين.

فما هو رأي الشرع بهذا الأسلوب وهل يكفي لصلة الرحم؟ أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية د. محمود السرطاوي يجيب عن ذلك فيقول إن الأرحام هي ما يمت للإنسان بصلة ولادة من جهة الأم والأب إناثا أو ذكورا. وعلى الإنسان أن يصل كل من له مشيرا إلى أن هناك دائرة وجوبية ودائرة اختيارية للصلة فالدائرة الوجوبية فيها وجوب التكافل ووجوب النفقة بين الآباء والأبناء والإخوة وجميع المحارم، أما الدائرة الاختيارية فيجب فيها أن نصل لكن دون وجوب الإنفاق.

ويضيف السرطاوي أن التواصل يجب أن يكون على مدار العام وندعو إليه في أوقات أخرى لتتجدد عزيمة الإنسان، وصلة الرحم في رمضان أجرها مضاعف.

وأشار إلى أن الزيارة هي الأصل لكن إذا تعذر على الإنسان ذلك لكونه في بلد آخر فإجراء مكاملة هاتفية يعتبر صلة رحم وقال إن الزيارة لا ينبغي أن تكون على حساب قوته، ولكن يجب تحقيق التوازن بين عمله وحياته فلا إفراط أو تفريط وإذا كان الإنسان قادرا على الزيارة فلا يكفي أن يصل بوسائل الاتصال الحديثة.

ولكن ماذا عن المهاتفة كوسيلة لصلة الأرحام يقول أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية د. محمد القضاة: إن الاتصال بالأرحام بوسائل الاتصال الحديثة واجبة لكن الأفضل أن يصل رحمه عن طريق الزيارة حتى يطلع على أحوال أرحامه، مشيرا إلى أن الاكتفاء بالاتصال بهذه الوسائل يعتبر ناقصا.

ويقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د. مجد الدين خمش: إن العلاقات مع الأقارب تغيرت عن الماضي وبخاصة في المدينة بسبب تباعد السكن بين الأقارب حيث قلل التباعد من العلاقات المباشرة بينهم.

ويشير إلى اكتفاء الأسر بالزيارة أثناء الأعياد الدينية والمناسبات الخاصة والاكتفاء في باقي الأوقات بأن يستفسروا عن أمور بعضهم بالهاتف. وقال لقد أصبح الناس مشغولين بمتطلبات الحياة المتعددة. ولم يعد الأقارب مصدر عون كما كانوا في السابق.

عمان ـ لقمان اسكندر: