إزاء تزايد مجالات الاحتكاك والتفاعل بين العالم الإسلامي والغرب على كافة المستويات، فإن الأمر يقتضي البحث عن سبل يمكن بها تحسين هذه العلاقات أو على الأقل تجاوز ما يمكن اعتباره صورا نمطية سلبية لكل طرف عن الآخر.
ويقتضي ذلك الاستفادة من دروس أزمات هذه العلاقات خاصة تلك التي يرى فيها المسلمون إساءة لدينهم على شاكلة أزمة الإساءة للرسول أو تصريحات بابا الفاتيكان.
وتتأتى أهمية هذا الجانب من أنه رغم تأكيد العديدين على أن عالم اليوم إنما يحكمه على مستوى العلاقات بين الدول والمجموعات الدولية عامل المصلحة في الأساس، فإن الأزمات التي ثارت في السنوات الأخيرة تؤكد على الدور الحيوي الذي سيظل يلعبه الدين في تشكيل هذه العلاقات وفي ضوء محورية الدين في حياة المسلمين على عكس التجارب الحضارية الأخرى فإنه يبقي من الأهمية بمكان تحديد أسس ينبغي التعامل من خلالها مع الغرب، خاصة في مجال القضايا التي تمثل إساءة الى الدين.
وذلك في ضوء حقيقة أن الإساءات التي ستلحق بالدين ـ أي دين ـ في ظل ثقافة معولمة تنحو الى توجهات أكثر علمانية أمر يبقى أحد الاحتمالات الأكثر حدوثا بين كل لحظة وأخرى. ورغم أننا لا ندعي القدرة على حسم هذا الجدل، إلا أننا نشير اليه ونطرحه كتحد يواجه المسلم في عالمه المعاصر ويتطلب رؤية واضحة حتى لا يحدث ما حدث على صعيد أزمة الرسوم على الأقل بالنسبة لردود الفعل التي اتسمت بعنف ملموس خلال الاحتجاجات.
واذا أقررنا رؤية البعض التي تقوم على أسس منطقية مفادها صعوبة التغاضي عن الإساءة الى الدين فإن السؤال يتحول ليصبح : كيف يمكن لنا أن نعبر عن احتجاجنا بطريقة حضارية تليق بديننا وقيمنا؟ كيف يمكن لنا الرفض وضمان ألا يتحول هذا الرفض الى عنف وقتل وضحايا تجعل الحصاد النهائي أسوأ من حصاد الصمت على الإساءة؟
كيف يمكن لنا أن نوفر الأجواء التي تجعل فلاحا مصريا في أقصى القرى المصرية أو عاملا أندونيسيا في أحد المصانع أو طالبا جامعيا في باكستان يخرج في مظاهرة تعبر سلميا عن الاحتجاج ، دون أن يغلب العنف في النهاية؟ كيف يمكن لنا تشجيع ما يسمى بثقافة وآليات التعبير عن الرفض المدني، وقد بدت جوانب كثيرة منها قائمة وموجودة في أزمتي الإساءة للرسول وتصريحات بابا الفاتيكان؟
كيف يمكن لنا ضبط سيل الفتاوى التي تخرج في مثل هذه المناسبات حتى في ظل الاختلاف في الرؤى بما يسمح بقبول الرآي والرأى الأخرى وحرية كل طرف في التعبير عن وجهة نظره التي يراها؟ كيف يمكن لنا إن نستفيد من التجارب الأخرى التي تعكس أطرا حضارية مغايرة في تطوير مواقفنا على صعيد مثل هذه الأزمات؟
ينبغي أن تكون الأزمات التي واجهناها مع الغرب خلال الآونة الأخيرة فرصة لإعادة النظر في موقفنا وفي علاقتنا مع الآخر وبشكل خاص الغرب وهو ما ما نأمل أن يصل الى نتيجة صحية.
أما على صعيد الغرب ذاته فإنه إذا أراد علاقات صحية وسليمة مع العالم الإسلامي فإن عليه أن يعي أن تجاهل مشاعر الآخرين ذوي الخلفيات العرقية والثقافية المختلفة لم يعد ممكنا كما كان سابقا وذلك لعدة أسباب أهمها أن نسبة الأقليات التي تعيش اليوم في الغرب كبيرة ولكي يحافظ على أمنه المحلي وتجانسه فهو ملزم بإيجاد الوسائل الأفضل لإدماج هذه الأقليات واحترام ثقافاتها وخلفياتها وقيمها التي تؤمن بها فضلا عن أننا أصبحنا نعيش في عالم قائم على الارتهان المتبادل بدرجة لم نعهدها من قبل مما يحتم على الجميع بدءا من الغرب تعلم التعايش مع الآخر واحترام ثقافته وحقوقه ورموزه الثقافية والدينية.
مصطفى عبد الرازق
