يقول الله تعالى: «ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق» (الحج:31). لقد صور الله المشرك بصورة ترتعد منها القلوب، وتوجل منها الأفئدة، وتلين منها الجلود، إنه إنسان سقط من السماء.

ولم تترفق به الظروف، وإنما عاجلته وباغتته، ولم يرتطم بالأرض لتضم جسده وتحنو عليه، وإنما تلقفه الطير وهو نازل من السماء، فتناوشه من هنا وهناك، فلم يدع به شيئاً فحتى الأرض لم يكن له شرف الارتطام بها، فهذه حالة، وحالة أخرى لا تقل عن الأولى، أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

إن هذه التعبيرات تثير في النفس الهلع والفزع، فالتعبير: {خر من السماء}، {فتخطفه الطير}، {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} يوحي بالنهاية الأليمة والصورة المفجعة لمآل المشرك يوم القيامة.

يقول الأستاذ عمر السلامي: إن الآية صورت من يشرك بالله بالذي يقع من السماء، وهذا الوقع يتميز بسمة الخر، فخر تؤدي معنى اضطراب وسقوط مع صوت ، فالخرير صوت الماء، وعين خرارة وقد خرت تخر ويقال للرجل إذا اضطرب بطنه قد تخرخر، وخر إذا سقط، إن ما تحدثه(خر)من صوت.

وما لدلالتها الحسية ومشتقاتها من نغمة خاصة، تبعث الارتباك في الأعصاب والحواس، إن المشرك وهو يخر تخطفه الطير، أو تلوح به الريح في مكان سحيق، ولئن كانت هذه الصورة قوية في مغزاها ووقعها، فهي أشد حينما يستسلم المرء إلى شيطانه ويشرك بخالقه، ويبتعد عن طريق التوحيد، فيصبح ملك هوى الشيطان، بدل أن يكون كل شيء ملك نفسه. ثم يقول في ختام حديثه عن هذه الآية:

فقوة التصوير آتية من قوة المعنى وتصويره وقوة مفرداته، وجرسها وإيقاعها في «خر» و«سحيق»، قوة السرعة في اختطاف الطير لهم، وقذف الريح لهم وتلويحهم، إن جو الآية يوحي بقوة ضاغطة على النفس، من أعلى إلى أسفل، وتكاد تفتت كيانها، يدرك هذا الإيحاء كل من يردد الآية ويقف عندها».

وهذه الآية تمثيل للمشرك بمن أهلك نفسه أشد الهلاك. الإمام أبو السعود يقول عن هذه الآية: أو في الآية جاءت للتخيير كما في «أو كصيب»، أو للتنويع.

والتشبيه هنا كما يرى الزمخشري: إما أن يكون مركباً وإما أن يكون مفرقاً أي متعدداً، فعلى أنه تشبيه مركب يكون المعنى من أشرك بالله، فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده نهاية، قد صور حال المشرك بالله بصورة حال من خر من السماء، فاختطفته الطير فتفرق أشلاء وقطعاً في حواصلها، أو بصورة حال من عصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأغوار البعيدة والأعماق السحيقة، ووجه الشبه الهلاك المتيقن أو المظنون.

وعلى أنه تشبيه مفرق يكون قد شبه الإيمان في علوه بالسماء، وشبه الذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، وشبه الأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. وقد ذكر أبو السعود أن هذا التشبيه يجوز أن يكون من باب التشبيه المركب، فيكون المعنى: ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكاً شبيهاً بهلاك أحد الهالكين.

وما أبلغ تشبيه المشرك بالساقط من السماء مع الأهواء التي تنتابه ونزعات الشيطان التي تتوزعه بالطير تأكل من جسمه، ومع الشيطان يطرح به في مهاوي الضلال البعيدة الغور كالريح العاصف. إن هذا المثل صور لنا المشرك في صورة رجل يهوي من السماء إلى الأرض، وقبل أن يصل إليها تخطفته الطيور.

وإن سلم منها هوت به الريح إلى مكان بعيد الغور لا يرى، فهذا التصوير للمشرك بث في القلوب وجلاً، وفي الأفئدة خوفاً، وفي النفوس اضطراباً، فمن يرضى لنفسه أن يكون في هذا الوضع؟ ومن يقبل أن يكون نهباً للطير أو ملقى به في العراء فضلاً عن المكان السحيق؟ لقد كان التصوير رائعاً ومؤثراً.

«وكالة الصحافة العربية »