معارضات عديدة واجهها الكاتب خالد البحيري مؤلف كتاب «مسلمات في دائرة الخطر»، نظرا لاشتمال كتابه على موضوعات جدلية فقهية حاول بالدلائل والبراهين إثبات عكس ما استقرت عليه الآراء.
حيث ينادي فيه بضرورة تعدد الزوجات معتبرا ذلك حلا مثاليا لمشكلتي ارتفاع أعداد المطلقات وزيادة نسبة العنوسة، كما أنه يسبح ضد التيار ويخالف التوجه العام بضرورة القضاء على ختان الإناث باعتبار أنه عادة لا أساس له من الدين، الأمر الذي يرفضه ويثبت بالأدلة الشرعية خلافه، ويتناول الحكمة الشرعية من قوامة الرجل على المرأة مؤكدا أنها تكليف وليس تشريفا من الله تعالي، وغير ذلك من الموضوعات الجادة التي اشتملت عليها فصول الكتاب الستة.
ويذكر المؤلف أن قضية المرأة المسلمة أصبحت محط أنظار الناقدين والمحللين والحقوقيين، سواء على المستوى المحلي أو ألأممي، باتخاذها مثارا للشبهات حول الإسلام والتشكيك في صلاحيته لهذا الزمان، محللا لكل الأفكار والنماذج الحضارية، وسبيلا قريبا مضمونا لاختراق البيت والأسرة المسلمة.
والحصن الحصين الذي استعصى على الغزو الثقافي، فظل أكثر صلابة في وجه التغريب رغم الهجمات العاتية بذريعة التخلف وعدم القابلية للتطور أو للتقدم الحضاري، وأنه للأسف شارك بعض مفكري الأمة في خلخلة قناعة المرأة بقيم دينها المنظمة لشئون المجتمع والأسرة بحسن نية سوء طوية، وأسهم الواقع الأليم في سرعة الاستجابة، ومن ثم كان الكتاب رغبة في تصحيح مفاهيم إسلامية بدت الآن غريبة عن الإسلام.
حجاب المرأة
«الحجاب الإسلامي فريضة الله على المرأة المسلمة متى بلغت المحيض» ،هكذا يؤكد المؤلف أن الحجاب فرض في جميع المذاهب الإسلامية بلا استثناء، وأنه هو جزء من عبادة المرأة المسلمة لربها شأنه شأن الصلاة والصيام والزكاة وسائر شرائع الإسلام، حيثما كانت سواء أكانت داخل البلاد الإسلامية أم كانت خارجها، وأن التخلي عنه من كبائر الإثم الذي يعرض المسلمة لغضب الله وسخطه.
وهذا موجود حتي الآن في كثير من الدول الإسلامية، حيث يوجد مكان مخصص للنساء لا يصل إليه إلا محارمهن، ويتمثل في ستر الجسد كله بما لا يشف ولا يصف؛ لا يستثنى من ذلك عند بعض الفقهاء إلا الوجه والكفان ويقول البحيري: حجاب المرأة المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف.
وهي السن الذي ترى فيه الأنثى الحيض، وهذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فرضية الحجاب أجمع عليها المسلمون سلفا وخلفا، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، وأنه لا يعد من قبيل العلامات التي تميز المسلمين عن غيرهم فحسب، بل هو من قبيل الفرض اللازم الذي هو جزء من الدين، يقول تعالى:
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَي أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»، وقوله تعالي أيضا:
«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ ولاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ»، كما روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا».
وأشار إلى وجهه وكفيه التعدد حق للمسلم ويري البحيري أن المستقر في وجدان السواد الأعظم من النساء حيال قضية تعدد الزوجات، أنه أمر ينم عن خيانة الزوج لزوجته ويعبر عن عدم أصالته نظرا لأنه تزوج على زوجته أخري، موضحا أن المرأة تتمني لو أن خبر وفاة زوجها قد جاء ولم يفعل فعلته ويتزوج بأخري، فالمصيبة في الأولي أخف وأهون، أما في الثانية فهي أثقل على قلوبهن من جبال الدنيا لهذه الدرجة تنظر المرأة إلى زواج زوجها من امرأة ثانية.
بل هناك أكثر من ذلك إذ يعدون ذلك من قبيل الخيانة التي لا يمكن غفرانها، كل هذا مع أن الله تبارك وتعالي بعدله وحكمته قد أباح للرجل أن يتزوج أكثر من واحدة إلى أربع نساء في وقت واحد، والآية الواردة في هذا الصدد لا تقبل الشك أو التأويل، قال تعالى «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَي فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَي وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَي أَلَّا تَعُولُوا» ويؤكد المؤلف أن الذين كتبوا عن تاريخ الزواج على اختلاف النظم الإنسانية يؤكدون أن التعدد كان معروفا في جميع البيئات قبل الإسلام، يهودية ومسيحية، عربية وغير عربية أباحته اليهودية دون حد.
وكان ذلك شائعا في ملوكها وأنبيائها، ولا توجد في أسفار العهد القديم نصوص تحرم التعدد أو تمنعه عن الآباء والأنبياء ولمن دونهم من الخاصة والعامة، وفي الإسلام، شريعة الله صالحة لكل زمان ومكان وليس من المعقول أن نمنع المباح وهو التعدد في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع الإسلامي من ارتفاع نسب العنوسة.
وأن أعداء الإسلام لا يريدون أتباعه أن يسيروا في طريق مستقيم نظيف، بل يريدون أن نكون صورة ممسوخة من أوضاعهم الاجتماعية المتدنية، وقد بدأت رياح الهجوم على التعدد من الكُتاب والمفكرين الغربيين، ثم واصل مسلكهم جماعات من المسلمين نددت بالتعدد وطالبت بإبطاله أو تقييده على الأقل.
ولم يقف الأمر عند حد النقد النظري للتعدد، بل إن بعض المجتمعات المسلمة قد تأثرت بهذه النظرة، وانعكس هذا التأثر في قوانين الأحوال الشخصية فيها الدليل قاطع يرد المؤلف على القائلين بأن الله أشترط التعدد بالعدل ثم أكد على استحالة هذا العدل بقوله:
إن اعتماد بعض المناوئين لتعدد الزوجات على دليلا لهم من القرآن يؤكد عدم التعدد وينفيه وهم يقصدون في ذلك قول الله تبارك وتعالي في الآية الثالثة من سورة النساء: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَي أَلَّا تَعُولُوا»، وقوله تقدست أسماؤه في الآية التاسعة والعشرين بعد المائة من السورة ذاتها:
«وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ»، وقد بني السطحيون على الآيتين الكريمتين نتائج، طبق فهمه القاصر، فقرروا أن النتيجة المنطقية لهذين النصين في نظرهم دعوة صريحة بالاكتفاء بواحدة، إلا أنه لو كلف هؤلاء الشرزمة أنفسهم إتمام قراءة الآية، لأدركوا أنهم بالاستشهاد بها في هذا الموطن بعيدون عن الصواب كل البعد، والنص الكامل للآية فهو: «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً» ومعناها:
أيها الناس لا تستطيعون أن تراعوا العدل المطلق بين نسائكم ولو حرصتم على ذلك كل الحرص، فعليكم أن تعاشروهن بما تستطيعون من عدل، فلا تميلوا لإحداهن كل الميل وتذروا الأخرى كالمعلقة، أي التي لا زوج لها بتركها مهملة من العطف والمحبة. ويوضح المؤلف أن التعدد له أسباب إذا تحققت كان مباحا بل أحيانا يكون واجبا ومن هذه الأسباب ما يلي:
إذا عقمت المرأة، أو ثبت أنها عاقر لا تلد، ووجدت لدي الزوج الرغبة الفطرية في النسل والإنجاب، أو إذا مرضت الزوجة مرضا مزمنا يطول برؤه أو يستعصى على العلاج، وقد لا يتمكن الزوج معه أن يعاشرها معاشرة الأزواج، وقد لا تستطيع هي الأخرى بإزائه أن تقوم بواجباتها كزوجة.إن المرأة في هاتين الحالتين تكون أمام أحد أمرين إما أن يطلقها الزوج، ويتزوج بأخرى تستطيع القيام بحقوق الزوجية وتحملها.
وقد لا يكون هذا من الوفاء مع زوجة أعطته خدمتها وإخلاصها، وإما أن يبقي عليها مع زواجه بأخرى، وهذا حل قد ترتاح له المرأة العاقلة وتفضله على الطلاق، وفي حالة العقم نجد أن المرأة في كثير من الأحيان هي التي تقوم بعرض الزواج على الرجل وترغبه فيه، وتعيش مع غيرها كعيشة الأختين.
كما أنه ـ على حسب البحيري ـ يوجد لدي بعض الرجال شدة شهوة لا يستطيعون معها التحكم في غرائزهم ولا تكفي المرأة الواحدة لإحصانهم، إما لعزوف المرأة عن ذلك الشيء لضعفها العام، أو لكبر سنها، أو أنها ذات طبع لا ينشط لتلبية رغبات الزوج كثيرا، فهل يكبت الرجل شهوته ـ والحالة هذه ـ أو يطلق لنفسه العنان فيخادن من يشاء من النساء؟
إن هذا وذاك لا يقبله شرع ولا دين، فلم يبق إلا أن يرخص له في الزواج بأخرى مع الإبقاء على الأولي، خاصة وأنه قد توجد لديها الرغبة الأكيدة في استدامة العشرة وعدم الانفصال بعضهما عن بعض، ومن الأسباب أيضا ميل الزوج لأخرى وحرصه على عفافه وعلي عدم ارتكاب المعصية.
أو حدوث نفور بين الزوجين ورغبتهما في نفس الوقت في الإبقاء على الرابطة الزوجية حرصاً على كيان الأسرة ورغبة في رعاية الأبناء، وأحيانا يرتبط التعدد برغبة الزوج في استعادة زوجة سابقة انفصل عنها بالطلاق ثم رأيا أن مصلحتهما في العودة إلى كنف الحياة الزوجية، وربما يكون الدافع الرغبة في توثيق صلات القربي بزواج الرجال من إحدى قريباته وله زوجه أو عدم التجانس الفكري والثقافي بين الزوج وزوجته الأولى.
القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل :
