حوار الحضارات هو القضية التي يعول عليها علماء العالم الإسلامي آمالاً كثيرة لإيجاد مساحة من التقارب والتعارف بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، لكن في ظل هذه الظروف التي تتضارب فيها المصالح والأهواء ويشعر فيها العالم العربي والإسلامي بالظلم الواقع عليه، كما ينظر الطرف الآخر للعالم الإسلامي بأنه عالم يحمل الحقد والكراهية، والإرهاب له، فإن علماء العالم الإسلامي يسعون دائماً لإنجاح هذا الحوار في الوقت الذي قد يلقى عزوفاً من بعض الغربيين.

في ظل هذه الأمواج المتلاطمة هل يجد حوار الحضارات ميناء تلتقي فيه سفن الحكماء لخلق جو من الود والتفاهم واحترام الآخر؟ يؤكد د.أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق أن القرآن الكريم تميز بالوضوح والإقناع ويظهر هذا حين قال تعالى:«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين{ والغرب دائماً يسيئ استخدام الآيات خاصة عندما تقع أعمال إرهابية ومن هنا ينبغي على العالم الإسلامي أن يتصدى لمثل هذه الادعاءات بعناصر مؤهلة للتعامل مع الغرب، وعلى قدرة كبيرة من الإقناع والثقافة لخوض ما يسمى بحوار الحضارات أو الثقافات ومواجهة الحملة الشرسة التي تعيد العداء والكراهية بين المسلمين والغرب أو من هم على غير ديانتهم.

ويضيف د. عمر هاشم : إن جميع المؤسسات والجامعات عليها أن تشارك في إعداد العناصر المؤهلة التي لها خبرة في مجال التعامل مع الغرب، والتي تتمتع بفن إجادة الحوار، وأن الرسول « قد وضع أسس هذه الحوارات.

الاختلاف أصل الحوار

الباحث الإسلامي خالد محمد الأصور يقول: إن الحوار يقوم أساساً على اختلاف وجهات النظر، وإن التعددية سنة من سنن الله في خلقه، وإن الذات الإلهية هي التي تنفرد وحدها بالوحدانية، وإن الازدواج والتعدد ثابت في كتاب الله عز وجل «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم{.

ويشير إلى أن الحوار الناجح لابد أن تتوفر فيه شروط معينة مثل المساواة التامة، وأن تكون هناك قضايا محددة للتحاور، وأن يبتعد جو الحوار عن الأحكام السابقة والمفاهيم المغلوطة، وأن لا يقلل طرفا الحوار من الآخر.

ويؤكد المفكر اليمني عبد الملك منصور أن هناك عدم رغبة من الطرف الغربي في البدء بالحوار رغم التصريحات التي يطلقونها دائماً عن حوار الحضارات وبناءً على ذلك لابد من أخذ المبادرة حتى يقوم الحوار بالشكل الأمثل والفعال، وعلينا أن نحدد الأطر الرئيسية للحوار، وأن تتجاوز التأثيرات النفسية والخلافات القديمة.

خلافات سياسية

ويطالب د. جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية بأن نوضح للغرب أن التي بيننا وبينهم ليست خلافات حضارية إنما هي خلافات سياسية، وأن الإسلام ليس ضد الغرب والمسلمون لا يحملون في قلوبهم كراهية للغربيين، وأن الصهاينة هم الذين يروجون لفكرة عداء الإسلام للغرب كي يحققوا مكاسب ذاتية وعلينا، نحن المسلمين، أن نكون جاهزين بالحوارات التي تتلاءم مع الغربيين دون أن تمس عقيدتنا أو تتعارض مع أساس الدين الإسلامي وسنة نبيه».

ويؤكد د.أحمد عامر نائب رئيس جامعة قناة السويس سابقاً أن هناك أولويات في القضايا التي تتم مناقشتها مع الغرب منها قضايا القيم كحقوق الإنسان والعدل والمرأة والديمقراطية وهذه القضايا دائماً توحد ولا تفرق، والإسلام دائماً يخرج من هذه الحوارات، وقد وضح أنصاره وجهة نظرهم وإن الإسلام يدعم وجهة نظرهم ويتفق معهم في مبادئهم بل يعلو عليها وأن علينا تجنب القضايا التي تقتل الحوار وتثير الخلافات وغالباً تكون القضايا العقائدية.

ويؤيد الرأي السابق د. نبيل السمالوطي عميد كلية الدراسات الإسلامية سابقاً، ويقول إننا مطالبون بخطاب إسلامي يتسم بالتسامح ويركز على الإخلاص والبعد عن الهوى كما يجب علينا أن نسمع الآخر ولا نحجر على رأيه وأن نبعد عن القضايا الشائكة.

ويحمل د. أحمد الراوي رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية المسلمين في الغرب جزءًا من المسؤولية لإنجاح دعوات الحوار لأنهم سفراء للإسلام في هذه الدول، وأي فعل يصدر عنهم ينسب فوراً إلى الدين الإسلامي ولا ينسب إلى الأشخاص، وهذا يعتبر ظلماً للمسلمين لإيقاع الحكم على الدين وليس على الأشخاص كأتباع للدين .

ولذا لابد من التعامل مع هذا الواقع بالتحلي بأخلاق الإسلام وسماحته وقبول الآخر وإن نجاح هذا الحوار سيعود بالنفع على العالم الغربي الذي يسوده الخوف والترقب من العالم الإسلامي وسيتغير هذا الشعور إلى حالة من الاطمئنان والارتياح النفسي.

ركائز النجاح

ويدعو د. أحمد كمال أبو المجد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان العالم الإسلامي إلى ضرورة التوقف عن روح الانطواء والعزلة وقذف الآخرين بالحجارة لمجرد أنهم مختلفون معنا وأن يكون هناك بحث متقن يضع عناصر الاتفاق والالتقاء بين المسلمين وسائر الشعوب، وأن مسيرة الحضارة الإنسانية قد وصلت بالأمم والشعوب إلى مفترق طرق تبحث عنده على مخرج من أزمة الثقافة وعدم التفاهم مع الآخر.

ويضيف: إن العالم العربي والإسلامي عليه أن يسعى لتقويم الحوار حتى يكون قادراً على التعامل مع الآخر الند للند، وأن على المنظمات العربية والإسلامية تدعيم ذلك وخاصة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي من خلال الدعوة إلى مؤتمرات وندوات للخبراء والعلماء المتخصصين لطرح ومناقشة الاستراتيجية العربية والإسلامية، وأن على القادة والساسة المسلمين دوراً مهماً في تنشيط العمل الجماعي والدعوة إلى المؤتمرات والندوات بصفة مستمرة ودائمة.

أما د. مصطفى الشكعة عضو المجلس الأعلى لمجمع البحوث الإسلامية بمصر فأكد على أن الحوار مع الآخر من الشعائر الإسلامية المنصوص عليها في القرآن والسنة وهذا يؤكد أن الإسلام دين الحوار والتعايش مع الآخر وأنه يجب توجيه رسالة عالمية للقوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية بوقف السياسات العدوانية ضد العالم العربي والإسلامي والاعتراف بأن المقاومة حق مشروع ضد المغتصب والمحتل، وأن نركز في حواراتنا على دور الفاتيكان الذي تتمتع بثقل أدبي مؤثر في العالم والهدف من ذلك خدمة مصالح الأمة ووضعها على الطريق الصحيح.

ويستنكر المفكر الإسلامي د. محمد سليم العوا الحوارات التي تثير الضغائن والأحقاد بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، وخاصة النصارى حيث ينصب الحوار دائماً على تشكيك كل طرف في عقيدة الآخر والذي يركز على نقاط قديمة تثير الفتن، ولاتأتي بالفائدة على الطرفين ولا تساعد على التعايش السلمي، وهي دائماً تدور حول تعدد الزوجات، ولماذا لا يسمح للمسلمة بالزواج من غير المسلم؟ ويدعو إلى التركيز على الحوارات التي تلتقي فيها كل الطوائف والديانات والبعد عن أن يشكك كل طرف في عقيدة الآخر.