أيا كان من يتخذ القرار بشأن الشكل أو الصورة التي سيكون عليها مسجد ما، وسواء أخذ هذا القرار شكل توصية عامة من راعي المسجد أو كراسة مواصفات من لجنة فنية، فإن المسجد هو في النهاية مسؤولية المعماري الذي يقف وراءه.

لاحظ هنا أنني أقول عن عمد «المعماري»، وليس أي توصيف مهني آخر، ربما لان الواقع المحزن يؤكد لنا ان المعماريين لا يسيطرون إلا على واحد في المئة فقط من البيئة المبنية في عالمنا اليوم بينما يندرج الباقي في اطار البناء العادي، لكي لا تقول المبتذل.والمسجد، أي مسجد، هو بناء شديد الأهمية والخصوصية،حتى ولو كان لا يعدو ان يكون زاوية في بادية نائية أو ريف قصي، لأنه يندرج في صميم روح الجماعة ويرتبط وظيفياً معها طوال اليوم والليلة، وهو الساحة التي تفزع إليها في الملمات، والمنتدى الذي ترتاده للحوار والنقاش والتأمل.

وفي ضوء هذه الأهمية الكبرى فإن المسجد يلقي على كاهل المعماري أربع مهام ثقيلة، حتى قبل ان يضع خطاً واحدا في تصميمه:* المعماري مكلف بفهم رموز الماضي بالنسبة للجماعة التي سيقام المسجد بين ظهرانيها، بما يمكنه من فهم كيفية نظر أبناء هذه الجماعة الى ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

* وهو مطالب بقراءة إشارات الحاضر وإيماءاته وتياراته، وهو أمر محير اليوم بلا حدود، فبينما يدوم بقاء المباني طويلاً، فإن التيارات الراهنة قد تنحسر ربما في غضون سنوات قلائل.

* وهو ليس مستدعى للتفكير في المسجد الذي سيصممه وحده وإنما للتفكير في علاقته بما حوله وصلته بالمجتمع كله.

* والمعماري يتعين عليه، فوق هذا كله، الجمع بين كل هذه العناصر لتقديم عمل معماري قادر طوال مدة وجوده على ان يحتل موقعه في الديمومة الممتدة للعمارة بجدارة.

هذه التأملات والخواطر لا يمكن إلا ان تسيطر على البال والخاطر، فيما المرء يتأمل مسجد المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن حميد النعيمي، الواقع بالقرب من جمعية أم المؤمنين النسائية في عجمان.

يعكس هذا المسجد قراراً معمارياً بالغ الوضوح بالإحالة إلى الصياغة المغربية ـ الاندلسية في استحضار الصورة الإسلامية الجديدة، كما يعكس أيضاً حرصاً على التماهي مع الوسط المحيط الذي يعكس مناخاً لا يفتقر إلى الصعوبة.

أنظر كتلة المسجد المستطيلة القوية التي تكفل أكبر قدر من الامتداد لصفوف المصلين وهم يقفون بموازاة حائط القبلة، وتوقف عند المئذنة الراسخة المكينة التي هي برج مربع ينهض مستدقاً عبر ثلاث مراحل، وتوقف عند النوافذ وزخارف الشرفات الرصينة في كل مرحلة.

تأمل اختزال القبة إلى الحد الأدنى لتتوج على استحياء أعلى منطقة المحراب ثم لا تزيد على ذلك، لا بحراً ولا ارتفاعاً.

هذا الخارج الخشن القوي الصارم الذي يوشك ان يكون موصداً في مواجهة ظروف المناخ ينفتح على بيت صلاة بهي، باهر، ومدهش حقاً.

أمام ناظريك تمتد غابة من الأعمدة لتحدد البلاطات ولتنهض في عقود بديعة شامخة الارتفاع، موظفة حسن التقسيم للحفاظ على القياس الإنساني وملتفة بحلة بهية من النقوش والزخارف والحشوات، للجص دور البطولة فيها بامتياز.

أحسب ان هذه الأعمدة تعكس قراراً من المعماري بتوظيفها في صورة كتل اسمنتية مسبقة التجهيز بما يعكس الصلة الوثيقة لهذا اللون من العمارة باستيعاب عناصر التجديد. وأحسب أيضاً ان هذا الارتفاع الكبير للعقود، بما يجعلها عقوداً مضاعفة، وبما يردد أصداء عقود أبهى مساجد الأندلس في قرطبة، هو الذي جعل من المنطقي الاستعانة بهذا الحشد البهي والجميل من الثريات.

أحسب كذلك أن هذا الإنشاء الكلاسيكي البديع هو الذي فرض مشروعاً زخرفيا موازيا تتألق فيه الميداليات والمقرنصات والزخارف النباتية والهندسية وحشوات الخط العربي البديع.