روى البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون من أجود جوداً؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «الله تعالى أجود جودا، ثم أنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشره، يأتي يوم القيامة أميراً وحده» أو قال: «أمة واحدة».

من أساليب التربية التي يركزّ عليها خبراء التربية الحديثة جهودهم اليوم ما يعرف بأسلوب السؤال والجواب، فهذا الأسلوب يفتح باب الشهية أمام المتعلم للبحث عن الإجابة المطلوبة من خلال صقل موهبته، وتهيئة نفسه لتلقي العلم وترسيخه في الذهن بعد الحصول على الجواب.

والحديث الذي معنا عبارة عن درس تعليمي تربوي، يتوجه النبي صلى الله عليه وسلم من خلاله إلى أصحابه بسؤال واضح وبسيط، يدور حول أكثر الجوّادين بالخير، ثم جاءت الإجابة التي حصرتهم بثلاثة هم:

1 ـ الله تعالى أجود جوداً، فهو صاحب الفضل المطلق على عباده وهو المنعم الحقيقي على من سواه، فكل نعمة هو مصدرها وطالقها وعنده خزائن النعم لا تقل ولا تنفد، وبذلك يستحق أن يكون أجود جواد وأما الجواد الثاني الذي ذكره الحديث فهو النبي صلى الله عليه وسلم فهو أجود بني آدم، وهذه حقيقة سجلها التاريخ، فكان عليه السلام لا يردّ سائلاً، وكان أسرع بالصدقة من الريح المرسلة كما وصفه أصحابه صلى الله عليه وسلم.

وأما الجواد الثالث الذي ركّز عليه الحديث الشريف، وجاء ذكره في معرض المدح والثناء، فهو صاحب العلم الحريص على نشره بين الناس ليعمّ نفعه، وهو صاحب المنزلة الرفيعة يوم القيامة حيث يأتي أميراً وحده، أو أمة واحدة، وإنما استحق هذا الشرف العظيم لتحصيله العلم الذي يحتاج إلى جهود كبيرة، ومجاهدة للنفس.

وكذلك نشر العلم لا يقل تعباً عن تحصيله، وفي ذلك إشارة إلى مكانة العلم في الإسلام، الذي اعتبره خير ما يجود به إنسان، وخير ما يقدم إلى البشرية، وهذا أمر طبيعي، فإن بذل المال والعطاء الماديّ، يؤمن حاجة المحتاج، ويسدّ فاقة الفقير.

ولكن العلم يبني جوهر الإنسان، ويرفع من كفاءة تفكيره، فيزداد معرفة بالله تعالى، وبأسرار الكون الذي يعيش فيه، فتزداد خشيته، من الله كما في قوله تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء».

وهنا يظهر أثر العالم في بني الإنسان، وهنا ندرك السرَّ في رفعة درجته يوم القيامة، ومن المفيد هنا أن نشير إلى نظرة الإسلام إلى كاتم العلم فهو إنسان مذموم وآثم ومعاقب يوم القيامة وهذا ما يبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

«من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» وهذا اللجام جزاء من جنس العمل، فكما أنه كتم علمه وبخل بنشره وإبلاغه إلى الناس فإنه يعاقب عليه يوم القيامة بسجن لسانه وتقييده بعذاب النار، وبذلك يظهر لنا من خلال هذا الحديث مكانة العالم المخلص الحريص على نشر علمه بين الناس، فهو أمير يوم القيامة.

وفي هذا البيان النبوي حثّ للأمة على الإقبال على العلم تحصيلاً ونشراً، من خلال عقيدة مفادها أن خير ما يجود به إنسان في هذه الدنيا هو العلم، كل العلم والأمة التي ترفع هذا الشعار لن تذل ولن تهون لأن الله تعالى يرفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات وهذه الدرجات محققة في الدنيا والآخرة.

د. أبو بكر علي الصديق