قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم. لا أعرف شرعاً ولا قانوناً يحث على التحابب والتواد بين الأفراد كالإسلام، فترى النصوص الداعية للأخلاق الحسنة، والذامةَ للفِعال المذمومة طافحة متنوعة.
وهذا ظاهر كما ترى تشريعه القانوني يصب في النهاية في دلو الترابط الأخوي الحميم بين الناس، وترى كذلك أن مجْمل العبادات توحي إلى خلق جميل يزرع المودة بين أفراد البشرية.
ومن أجل ذلك سن النبي صلى الله عليه وسلم التحية، بل ندب إلى إفشائها بكل ألوانها الجميلة من حركة أو كلمة أو بسمة، وربط كل ذلك بالعقيدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
فالسلام رابط قوي بين البشر، وخيطُ مودة بينهم، وعلامة حب وتآلف وإظهار لما في القلب من حرارة ودفء بين المسلمين، وإذا كان السلام قولاً كانت المصافحة سلوكاً يؤكد التسليم القولي ويعززه.
وقد أحسن بعضهم بوصفها بيعة بين المتصافحين على المؤاخاة والتلاقي، وتعاقد على المحبة والصفاء وحسن الطوية، خاصة إذا كانت بين الأرحام رجالاً ونساء، ومن أحرى بها وأولى بالمحافظة عليها منهم، لأن مودتهم فطرية كما هي شرعية، فالحب والتواصل واللقاء أقرب إليهم وإلى قلوبهم من غيرهم.
ولا فرق بين الرجال منهم والنساء، فهم في الحكم سواء، ولهذا لم يصبْ مَن منع مصافحتهن إذ هم قد منعوا حبلاً من حبال المودة معهن من غير بينة ظاهرة. فالمصافحة ـ كما قال الحسن البصري ـ تزيد في المودة التي جعلها الله بين المسلمين، فأصل المودة موجود لكننا بحاجة إلى تنميتها وتقويتها وإدامتها، فإن المودة إذا لم تكن لها موارد تسقيها ذبلتْ ويبستْ بعد أن كانت ورقاء يانعة.
من أجل ذلك منع مَن منع من الفقهاء مصافحة الكافر، ونحن مأمورون بقطع روابط المودة بيننا وبينه ما دام لم يرتض الإسلام ديناً فلا نرضاه خديناً، مع جواز التعامل الظاهر كالبيع والشراء ونحوهما، فهذا لا علاقة له بالحب والموالاة القلبية، أما المودة وما يفضي إليها فممنوعة، وقد نعى الله على من أحبهم فقال: (ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم).
زكريا الطحان