يقول الله تعالى «الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» (طه 50) أي أعطى كل شيء في الوجود صورته وخصائصه الذاتية التي يستطيع بها أن يحيا ويفكر ويفعل ويترك، أعطى كل موجود خلقه المختص به.
ومن بين هذه المخلوقات المتميزة الإنسان الذي يقف على قمة المخلوقات، الإنسان ذو البعدين البعد الجسمي والبعد الروحي، بالأول يتفاعل مع موجودات الأرض، وحركة المجتمع، يسعى في أنحاء المعمورة، يزرع ويعمر يبني المصانع، وينشئ المدن، ويشيد الحضارات، ويشبع دوافعه الفطرية من الأكل والشرب والجنس.
وبالثاني يتحرر من نير الجسد وإلحاح الشهوة، ورغبات النفس الأمارة بالسوء، ويسمو بإنسانيته، يترقى في مدارج الرقي، ويصعد في سلم السماء، وينطلق إلى الفضاء الفسيح في معراج صاعد إلى عالم النور والملائكة.
ومن الحقائق البديهية أن الدين الإسلامي لا ينكر على الإنسان أن يشبع دوافعه الفطرية ويحقق طموحاته الشخصية ويستمتع بطيبات الحياة، إنما ينبهه على أن يوازن بين البعدين ، بين البعد الجسمي والبعد الروحي، بين دواعي الجسم ومتطلبات الروح بين هموم البدن وأشواق الروح، بين الجسم والعقل والأنا والموضوع، والداخل والخارج.
وفي سعي الإنسان الدائم في الحياة ولهاثه المستمر وآماله الطموحة، وأحلامه اليومية في اليقظة والمنام وطموحاته التي لا تنتهي، تستغرقه متطلبات الحياة اليومية، وجوانبها المادية من الأكل والشرب والرغبات البدائية التي يشترك فيها مع الحيوان، وينسى نسياناً يكاد أن يكون تاماً، جانب الروح والتألق، الجانب الإنساني داخله الذي يميزه عن غيره من الكائنات داخل هذا الكون.
في هذه الرحلة المادية الساعية بكل نشاط إلى عالم الحس، ودنيا المادة، يأتي شهر رمضان المبارك كل عام، كالنسمة الندية في يوم قائظ شديد الحرارة، كاليد الحانية تربت على كتف الإنسان الشقي كبلسم شاف لجسم سقيم، يأتي رمضان المبارك يذكر الإنسان بدوره في هذا الوجود إنه خليفة الله، وله رسالة عليه أن ينهض بها رسالة الإنسان ذي البعدين، فهو ليس مادة أو جسماً أو تراباً، إنه علاوة على ذلك، يحمل اللمسة الربانية والنفخة الإلهية، والنعمة السماوية «الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه» (السجدة 9).
يحل شهر رمضان المبارك كل عام، ليوقظ الإنسان من غفوته وسباته، وينتشله من تيار عالم المادة المتلاطمة، ويذكره بالبعد الآخر، بكرامته وعزته وإنسانيته وواجبه تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه وربه.
يخرجه من الدائرة الذاتية المغلقة التي حبس نفسه داخلها كأنه شرنقة دودة القز، دائرة الأنا الضيقة، إلى دائرة الآخر، إلى العمل الجماعي لكي يشارك الملايين المؤمنين الوقفة نفسها أمام رب العالمين، من الصلاة والدعاء والتهجد والتسبيح والهتاف آناء الليل وأطراف النهار، من الصيام والقيام والركوع والسجود.