هو ترك المتع الدنيوية ومقاومة الميول والشهوات الجسمانية والعزوف عن لذائذ الدنيا وراحتها المؤقتة وسعادتها المنتهية، واتخاذ التقوى أساساً للسلوك والتوجه إلى الآخرة الباقية وسعادتها الدائمة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
«الزهد هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدنيا في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله عز وجل»، وقال ابن القيم في مدارج السالكين :
«والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا، والإخبار بخسّتها وقلّتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، ويُؤْثر منهما ما هو أولى بالإيثار».
وقد أورد الله سبحانه وتعالى الكثير من الآيات التي تدل على فضل الزهد وقلة الرغبة في ملذات الدنيا وشهواتها قال تعالى :«اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيثٍ أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور».
ومن ثمّ «..فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور»، ويقول ابن القيم في كلام قيّم :« لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين : النظر الأول : النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها ونقصها وخستها، والنظر الثاني : النظر في الآخرة وإقبالها وبقائها ودوامها».
والزهد كما قال الإمام أحمد على ثلاثة أوجه :«الأول :ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني :ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث :ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين». فالزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه منازل الآخرة وبهذا يصبر المرء على البلايا والمصائب التي تلم به ويرضى بما قدّره الله له.
وتكون غاية مناه الفوز بنعيم الآخرة فيسمع بآذان عقله قوله تعالى :«وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون»، فيؤثر الباقية على الفانية ويفضل الحياة الحقيقية على دار اللعب والفناء وتتحرك جوانحه وجوارحه لابتغاء الآخرة «وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة».
ويستشعر معنى قوله تعالى :«قل متاع الدنيا قليل الآخرة خيرٌ وأبقى» فيلبس لباسَ الراغب في لقاء الله الطامع في جنته متيقناً بدناءة الدنيا وخستها وفنائها وزوالها، لا يغيب عن باله قول الحسن :
(لو رأيت الأجل ومروره لنسيت الأمل وغروره) ويذكر الموت والبِلَى فيمتلئ قلبه بحب الآخرة والتحرك لها ولا يترك فيه قلامة ظفرٍ لحب الدنيا والتكالب عليها والصراع من أجل نعيمها الزائل وخداعها الظاهر.
ويلتفت لتحذيرات النبي منها «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»، وعَقْدِه صلى الله عليه وسلم المقارنات بينها وبين الآخرة كقوله :«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» وقوله :
«ما الدنيا في الآخرة إلا مِثل ما يجعل أحدكم أُصبعَه في اليم، فلينظر بِمَ يرجع»، لذا لا تخدع الدنيا عاقلاً وإنما تغرُّ الجاهل، فمتاعها ـ مهما عظم ـ قليل قياساً بالآخرة، فيا عجباً لمن باع نعيماً دائماً بفانٍ وسال لعابه عليه فلهث وراءه وتكالب على جمع المال ولو بالحرام، وآثر بحمقه وجهله الوهمي الفاني على الحقيقي الباقي، ونسى أنه مهما طال عمره فله نهاية، وأنّ غمسةً واحدة في نار جهنم تُنسي أنعم أهل الدنيا نعيمَه، قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغ في النار صبغة ثم يُقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط ؟هل مرّ بك نعيم قط ؟ فيقول :لا والله يا رب، ويُؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغة في الجنة فيقال :يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟
فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط»، والحديث يبين أن الله إذا أنعم على أهل النار في الدنيا فإنما هو استدراج وتعجيل طيباتهم في الحياة الدنيا، وقد ضرب المعلم والتربوي الأول عليه الصلاة والسلام أوضح مثال على حقارة الدنيا حين مر بالسوق والناس كَنَفَتيه (أي عن جانبيه) فمر بجدي أسَكٍّ (صغير الأذن معيب) فتناوله، فأخذ بأذنه (ليلفت أنظارهم للعيب) ثم قال «أيّكم يحب أن يكون هذا له بدرهم ؟» قالوا :
ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به ؟ ثم قال : «أتحبون أنه لكم؟» قالوا :والله لو كان حياً كان عيباً أنّه أسكّ؛ فكيف وهو ميت!! فقال النبي :«فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم»، كما قال :«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وزهّد ابن عمر فيها حين أخذ بمنكبيه وقال له :«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» فتعلم ابن عمر الدرس وعلم غيره:(إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.
وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك) لذا كان النبي زاهداً فيها فكانت تمرّ عليه الأشهر ولم توقد في بيته نار، وكان يعيّشه هو وأهله الأسودان التمر والماء، وكان فراشه من أدم، وحشوه من ليف، ونام على الحصير وأثّر ذلك في جنبه، وأخبر أنه لو كان له مثل أُحد ذهباً لأنفقه في سبيل الله قبل أن تمر عليه ثلاث.
فلا تركنْ إلى الدنيا، ولا تتخذْها وطناً، ولا تحدّثْ نفسك بطول الأمل والبقاء فيها، ولا تتعلّقْ منها إلا بما يتعلّق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغلْ فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله، ولا تفرحْ من الدنيا بموجود ولا تأسفْ منها على مفقود، وتعبّدْ إلى الله واخلُ معه، وقلِّبْ قلبك بين الخوف من عذابه والرجاء في رحمته حتى ينعكس ذلك على سلوكك، وردِّدْ:
أيا من عاش في الدنيا طويلاً وأفنى العمر في قيلٍ وقالِ
وأتعب نفسه فيما سيفنى وجمّع من حرامٍ أو حلالِ
هب الدنيا تقاد إليك عفواً أليس مصير ذلك للزوالِ.