كان العباس بن الأحنف بن طلحة (وهو شاعر من اليمامة) شاعرا رقيقا، وكان الخليفة العباسي هارون الرشيد دائم الإعجاب به. ويروَى أنه في ذات ليلة وقد هجع الناس في أسِرَّتهم، إذا حراس الخليفة يداهمون بيت العباس بن الأحنف ويقتادونه إلى الرشيد دون إبداء أية أسباب، فأدخِل على الرشيد خائفا مذعورا، فأحسن الخليفة استقباله، وقال له لا تُرَعْ ولا تخف.

قال: كيف يا أمير المؤمنين، وقد أُخْرِجْتُ من فراشي في جوف الليل وانتُزِعْتُ من بين أهلي وأولادي وتركتهم يوَلْوِلون عليّ؟ فهل أذنبتُ ذنبا؟

فضحك الرشيد وقال له: كلاّ. ولكني نظمتُ بيتا من الشعر في جارية تُدعى (جَنان) ولم أستطع أن أكمل شيئا بعده. قال العباس: وما هو البيت؟ قال:

جَنانٌ قد رأيناها

فلم نرَ مِثْلَها بشَرا

فقال العباس في الحال، إذاً فقل:

يزيدُكَ وَجْهُها حُسْناً

إذا ما زِدْتَهُ نَظَرَا

إذا ما الليلُ جَنَّ

عَلَيْكَ بالإظْلامِ واعْتَكرَا

ودَجَّ فلمْ تَرَ قَمَراً

فأبْرِزْها ترَ القمَرا

فأعجب به الرشيد، وقال له: ما دُمْنا قد أفزعناك وروّعناك، فلا أقل من أن ندفع لك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم وكساء.

وقيس بن الملوَّح

أنشد قيس بن الملوح قصيدة في ليلى مطلعها:

تذكَّرْتُ ليلى في السنين الخواليا

وأيامَ لا نَخْشى على اللهْوِ ناهيا

إلى أن قال فيها:

أُصَلِّي فما أدري إذا ما ذكرْتُها

اثِنْتَيْنِ صلَّيْتُ الضُّحَى أم ثمانيا

وإذ كان بعض الأدباء يتناشدون الأشعار فأنشدهم أحدهم هذه القصيدة، فلما تلا هذا البيتَ الأخير قال أكثرهم: عجبا لهذا الشاعر! كيف يجعله النسيان يخلط بين الاثنين والثمانية، إنما يكون الشك والنسيان بين الاثنين والثلاثة.

فتحير الجميع حتى أقسم أحدهم لا ينامنَّ حتى يسأل العالم (ابن الصلاح) عن تفسير هذا البيت، وكان ابن الصلاح أحدَ أعيان الفقهاء في الحديث والتفسير وفقه اللغة العربية، فتوجه الجميع إليه في مسجده فوجدوه يصلي، فلما رآهم أنهى صلاته وأقبل عليهم وقال لهم: ما حاجتكم؟ فسألوه عن البيت، فقال لهم:

أنتم تعلمون أن صلاة الضُّحَى أقلُّها ركعتان، وأقصاها ثماني ركعات.

ولما كان الشاعر قائل هذا البيت كثيرَ النسيان فقد كان يصلي صلاة الضحى ويعدّ الركعات التي يصليها على أصابعه، فجعل يصلي وفكّر في ليلى فارتبك فنظر إلى أصابع يديه ليرى كم صلى من الركعات، فوجد إصبعين مطبوقتين، والأصابع الباقيات المنبسطة ثماني أصابع، فاختلط عليه الأمر هل صلى اثنتين، بدلالة الإصبعين المطبوقتين، أم صلى ثماني ركعات بدلالة الأصابع المبسوطات؟! فعجب السائلون من حدة ذكائه.

كسرى يفسر بيت شعر!

قيل إن كسرى كان في مجلسه ذات ليلة وإذا أعرابي يمر بالطريق ويتغنى بيت شعر يقول:

أرِقْتُ وما هذا السهادُ المُؤَرِّقُ وما بي مِن سُقمٍ وما بيَ مَعْشَقُ

فقال كسرى أفيكم من يفهم العربية؟ فقد أحد غلمانه: نعم. قال ماذا يقول هذا العربي؟

قال إنه يقول إنه أرقَ فلا ينام الليل مع أنه ليس مريضاً وليس عاشقا. قال كسرى:

إذاً هو لصّ!

وإلى أمسيّة الغد إن شاء الله تعالى.