عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الدنيا خلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام مسلم في صحيحه.

في هذا الهدي النبوي الشريف نفحة من نفحات الإيمان ولمسة من لمسات الجمال وإبداع في التصوير فوق ما يتصوره الخيال فما أبدع هذا التعبير؟

وما أجمل ذلك التصوير الذي مثل به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لهذه الدنيا الزائلة ولا عجب أن نرى تلك الإشراقة المضيئة والقبس المنير في هدي سيد المرسلين فلقد دانت له الفصاحة وانقادت له البلاغة فكان له منها الحظ الوفير وأعطي جوامع الكلم فكان أفصح من نطق بالضاد وأعظم من دعا إلى الهدى والرشاد .

وبهذا التوجيه النبوي الكريم يلفت النبي صلى الله عليه وسلم انتباهنا ويوجه أنظارنا إلى سبيل الخير والسعادة ويحذرنا من فتنة الدنيا وشهوات الحياة فهذه الدنيا كم خدعت من أناس وكم فتنت من خلائق اغتروا بها وفتنوا بما فيها فأوردتهم موارد الهلاك وجرعتهم كؤس الحسرة والندامة فلم ينالوا منها إلا التافه ولم يجنوا منها إلا الحقير فهي دار الغرور يغتربها الجاهلون ويركن إليها الغافلون.

وما أجمل تصوير القرآن الكريم لهذه الحياة الفانية حيث قال المولى عز وجل: «اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور».صدق الله العظيم.

لقد وضح الرسول في هديه الكريم قيمة هذه الدنيا حتى لا يغتر بها المؤمنون فقال صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء وكذلك كانت حياته» صلى الله عليه وسلم زهدا في الدنيا وإعراضاً عنها فكان يأكل اليسير من الطعام .

ويلبس الخشن من الثياب وينام على الحصير حتى دخل عليه بعض الصحابة يوماً وجدوه نائماً على حصير وقد أثر في جنبه الشريف فرقوا لحاله فقالوا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء أي فراشاً فقال مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.

وختم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الشريف بالنصح والإرشاد والتحذير من أمرين عظيمين هما فتنة الدنيا وفتنة النساء فقال: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء».

ثم علل ذلك بأن أول بلاء حلّ على بني إسرائيل وأول فتنة حصلت لهم إنما كانت بسبب شهوات الحياة الدنيا وفتنة النساء فليس هناك فتنة أخطر من فتنة النساء وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء».

فيا له من توجيه عظيم وإرشاد كريم دلنا عليه رسول الهدى والرحمة اللهم أرزقنا محبته ووفقنا للاقتداء به وبهديه الكريم. والناظر في مضمون هذا الهدي الشريف يرى أنه يتسق مع الآية الكريمة في التكليف الإلهي: إني جاعل في الأرض خليفة فالله يريد الجمال والخضرة وحلاوة العيش فالسعادة تكليف إلهي فكلف الإنسان بالنيابة عنه بإقامة هذه الأمور في الأرض.

وربما لا توجد حلاوة سكرية في الثمر الأخضر ولعل المقصود حلاوة الشكل فالحديث يتوج اللذة ويضعها في أقصى غاياتها فتشتمل على جمال المنظر وحلاوة المذاق وتثار حاستا الشم واللمس لطيب الرائحة ونعومة الملمس.

والأخضر مما تستريح له العين فالاهتزازات التي تستقبل في العين تبلغ خمسة ملايين اهتزازه والتي تستقبل الأمر تبلغ أربعة ملايين هذا من الوجهة العلمية والأخضر من الوجهة الفكرية يرمز إلى الحياة لصلته بالشجر.

وهو رمز الانبعاث الروحي والأمل ويرمز إلى الإيمان والجنة ولكن ينبغي أن يربط بالسياق العام الذي يتدخل أو يحد من فاعليته الفيزيائية المعهودة وما يترتب من ذكريات مبهجة والمعهود عن هذا اللون ميزة لا نجدها في غيره وهي انه يتوافق مع أغلب الألوان فلا يتنافر معها.

وتتجلى بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله «إن الدنيا» إن حرف توكيد ونصب والدنيا اسمها وحلوة خبرها وهي جملة خبرية الغرض منها التنبيه إلى فتنة الدنيا وهو من النوع الطلبي لأنه مؤكد بأن والدنيا لا تسمى دنيا إلا لدنوها وقصرها وخيبة آمالها فهي دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم «حلوة خضرة «حلوة خبر إن وخضرة خبر ثان وجملة حلوة خضرة استعارة مكنية فقد شبه الدنيا بالفاكهة الحلوة الخضراء وحذف المشبه به وهو الفاكهة ورمز إليها بشيء من لوازمها وهي الحلاوة والخضرة على سبيل الاستعارة المكنية فالدنيا كالفاكهة الخضراء التي راق منظرها وحلا مذاقها وقد جمع بين الوصفين المحبوبين إلى النفس «الحلاوة والخضرة» فان الحلو مرغوب فيه من جهة الذوق والخضرة مرغوب فيها من جهة النظر فهي بهجة النفس وقرة العين.